ذهب الرئيس بالنفيس

29 شباط 2020 10:15:00 - آخر تحديث: 01 آذار 2020 11:53:32

 عشية أمس، وفي نشرة  الثامنة، أو قبلها بقليل، نقلت شاشات التلفزة في لبنان، ما زفّ الرئيس من الخبر النفيس: غداً، ستبدأ مرحلة الحفر عن النفط، وسيدخل لبنان، لأول مرة في تاريخه، نادي الدول المنتجة للنفط. وسيكون نفطه لجميع اللبنانيين بلا استثناء.

 أراد الرئيس أن يزف البهجة إلى نفوس اللبنانيين المنكسرين، في منتصف العهد. أن يعوّض لهم ذلّهم على أبواب البنوك والمصارف. أن يمنحهم جرعة أمل، باسترداد ودائعهم المالية، التي طارت، بعد ثلاث سنوات من حكم العهد. أن يؤمّلهم بتعويم خزانة الدولة، لدفع الرواتب والمستحقات والمتأخرات. وشراء الدواء والخبز والمحروقات، وتأمين المتوجبات، للأمر الصحي في المستشفيات، وللأمر الأمني في المؤسّسات غير المدنية التي تسهر على الانضباط في الدولة ، وبموازاتها الحراك، الذي أتى بآخر الحكومات.

أراد الرئيس، من خلال الإعلان عن الخبر النفيس، أن يطمئن الأم والأب عن مستقبل أولادهم، وأنهم سوف يتمكّنون من شراء الدولارات قبل جفافها من المصارف والأسواق لطلب الهجرة من البلاد، إلى أقاصي البلدان.

 أراد الرئيس، بزفّ الخبر النفيس، أن يزفّ البهجة في النفوس، ويجعل اللبنانيين أقوياء في نفوسهم، فلا تتعرّض للخور، ولا للخوف من المجهول، ولا للوقوع في المحظور: فلا تسدّ أمامهم فرص العمل، ولا أبواب الوظائف، ولا أبواب الأفران ومحطات الوقود، ولا أبواب المستشفيات.

أراد الرئيس بالخبر النفيس القول إن دولة لبنان ستنشل اللبنانيين من الفقر، وتعقد للشباب والصبايا الأعراس الجماعية، بدل الهجرات الجماعية خلف البحار. وأنها ستعوّم الأسواق بالبضائع، فتعود المتاجر إلى فتح أبوابها. وتعود المصانع إلى دعوة مستثمريها وعمّالها. وتعود المطاعم والفنادق إلى استقبال روّادها. وتعود السياحة إلى نشاطها، فينتعش الاقتصاد الوطني. وتعود "ليرتنا هي عملتنا"،  ولا نحتاج إلى شراء الخزائن الحديدية، ولا إلى جعل "مالنا في عبنا"، ولا إلى "الحفر والطمر"، ولو بالتنك، تحت فراشنا، ومقاعدنا، وجدران مكاتبنا.
 أراد الرئيس بالخبر النفيس، أن يهدّئ النفوس الثائرة على الأموال المنهوبة في المشاريع التالفة، فلا يحزنون للسدود التي تهرّب ماءها، ولا للأنهار التي تجلب الأدواء، والأمراض، والرياح، والأنواء.

كلمةٌ أراد بها الرئيس أن تعطي اللبنانيين جرعة أمل بأن التيار سيكمل المشوار. في البناء، والإعمار، والذود عن الحياض، ودفع المنن عن ذمم الرجال. ورفع مستوى المعنويات، ومنسوب الكرامات، بعدما استيقظهم العالم على الفشل المزري لأعوام.

وخيراً فعل الرئيس بالخبر النفيس حين جعله وديعة التيار منذ زمان بعيد، ومن صنيع الشاب المعجز، على رأسه، الذي يستعير طائرة رفيقه، لحضور "نادي [منتدى] دافوس"، ومن صنيع كتلةٍ برلمانية عريقة ووازنة، تستحق الرئاسة المقبلة.

أيقظت حقيقة، كلمة الرئيس في زفّ التيار النفيس، وفي زفّ الصهر النفيس، اللبنانيين جميعاً على صناعة الطواحين الدونكيشوتية، والألعاب السحرية، وعلى حروب الإلغاء العبثية التخريبية المجانية. وجعلتهم يقولون كلمة واحدة: "تهفا ولا يردّها بليق". 

فقد سطا لصٌ صعلوك على فرسٍ أصيلة، وهرب بها. فاستيقظ لها صاحبها وعامِلُه.  وامتطى العامل ظهر "بليق"، "كديشه" المشهور،

وخرج يسعى وراءها. فنهره صاحب الفرس، وأبت نفسه أن يرد "كديشه بليق"، فرسه الأصيل. وقال له بكل حزم: "تهفا ولا يردّها بليق." 

 فلبنان اليوم، وغداً، وبعد غد: أعظمُ وأخطرُ من أن يردّ إليه "بليق" ماله، وكرامته، وسيادته، وتاريخه المجيد.
 

(*) أستاذ في الجامعة اللبنانية

 

الآراء الواردة في هذه الصفحة لا تعبّر بالضرورة عن رأي جريدة الأنباء التي لا تتحمل مسؤولية ما تتضمنه.