"التقسيميون" الجدد!

22 شباط 2020 17:53:00 - آخر تحديث: 22 شباط 2020 17:54:44

يفاخر العديد من الاقتصاديين اللبنانيين بالقطاع المصرفي اللبناني الذي شهد حقبات طويلة من النمو والازدهار وحاز على ثقة المودعين داخل لبنان وخارجه، وتناسوا التجربة الأليمة التي عاشها لبنان جراء أزمة "إنترا" في منتصف الستينات والتي تركت ندوباً كبيرة في الإقتصاد الوطني سرعان ما تم تجاوزها بفعل تقاطع عددٍ من العوامل المحلية والعربية والاقليمية التي أتاحت للقطاع المصرفي النهوض تدريجياً، وقد عزز هذا المسار إقرار قانون السرية المصرفية.

لقد وفّرت المصارف التجارية اللبنانية التمويل للدولة اللبنانية خلال السنوات الماضية ولم تكترث كثيراً لكيفية إنفاق هذه الأموال وقنوات الفساد التي كانت تمر بها؛ فعلى الرغم أن ذلك خارج صلاحياتها، إلا أنه كان أيضاً خارج إهتماماتها طالما أنها كانت تحظى بفوائد وعائدات مرتفعة جراء هذا التسليف.

إلا أن كل ذلك لا يلغي، في نهاية المطاف، أن ثمة مسؤولية على المصارف، ولو أنها لا تتحمل المسؤولية كاملةً، ذلك أن القوى السياسية مسؤولة بدورها عن إطلاق الإصلاح السياسي والاقتصادي.

إن الجرأة السياسية والأدبية تقتضي الإعتراف أن الحاجة باتت ملحة لإعادة النظر بكل مرتكزات النظام الاقتصادي اللبناني المبني على الريعيّة والاستهلاك والتجارة والخدمات في ظل انعدام تام للحد الأدنى من التوازن القطاعي، فلم تكترث الحكومات المتعاقبة لدعم هذه القطاعات وفي مقدمها الزراعة والصناعة، ولم يتم ايلاءهما الحماية المطلوبة إقتصادياً وجمركياً وفتحت الحدود والأجواء وأغرقت الأسواق، ولا تزال، بالبضائع والمواد المستوردة، في الوقت الذي يتنج لبنان منها كميات كبيرة.

وانسحبت هذه الرؤية النيوليبرالية على كل مفاصل الحياة الإقتصادية، وهو الأمر الذي فاقم الفوارق الإجتماعية وأدى إلى إضمحلال الطبقة الوسطى، وراكم هذه الفوراق غياب السياسات الضرائبية العادلة بسبب الإصرار على عدم إعتماد المبدأ التصاعدي في تطبيقها، فزاد الأثرياء ثراءً والفقراء فقراً.

أما اليوم، فثمة طروحات غريبة ومشبوهة تدلي بها بعض الأطراف السياسية وآخرها ما قيل في جلسة مجلس النواب عن تطبيق "اللامركزية الإدارية والمالية"! لقد تحدث "إتفاق الطائف" (1989) عن اللامركزية الإدارية والانماء المتوازن. أما الجباية اللامركزية، فهي مقدمة للتقسيم الذي لم يتحقق رغم كل الحروب الداخلية بين اللبنانيين، فهل إعادة طرحه صدفة في هذا التوقيت؟ وهل الإصرار على تنفيذ مشاريع طرق معينة أو إنشاء معامل كهرباء في مناطق معينة (رغم عدم جدواها الإقتصادية والتقنية) تصّب في هذا الإطار؟

لقد ورد في الفقرة (ز) من مقدمة الدستور اللبناني أن "الإنماء المتوازن للمناطق ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً ركن أساسي من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام". فهل يبحث هؤلاء عن سبل ضرب وحدة الدولة بحثاً عن مشاريع فئوية أخرى؟

إنها المغامرات ذاتها، في السياسة والاقتصاد والاجتماع، في الدستور والمؤسسات والعيش المشترك، في الخطاب السياسي والإعلامي، في تدمير العلاقات الخارجية اللبنانية، وفي كل المواقع الأخرى! حذار إسقاط لبنان مجدداً في فخ التقسيم!