كلّن، لا تعني كلّن على الإطلاق

22 شباط 2020 17:28:00 - آخر تحديث: 22 شباط 2020 17:29:17

استقطب شعار "كلّن يعني كلّن" تأييد غالبية الشعب اللبناني مع اندلاع ثورة 17 تشرين. وكان هناك إجماعٌ على تقبّل هذا الشعار طالما أن الجميع تحت مظلة القضاء النزيه، حيث يُدان المذنب ويبرَّأ البري. إلّا أن الأمور أخذت منحى جديداً بعد استقالة حكومة الرئيس الحريري، وتشكيل حكومة جديدة برئاسة دياب. وتمّ وضع كافة القيادات والزعماء في لبنان في سلةٍ واحدة. طبعاً سلّة الإدانة، ومن ثمّ توجيه أصابع الاتهام فقط نحو رموزٍ معيّنة، وفي مقدّمتهم بري وجنبلاط.

لسنا هنا في واقع الدفاع الشخصي عن أي شخص. ولسنا في وارد تلميع الصورة، بل في وارد التذكير بالمفاصل الأساسية التي مرّت في تاريخ لبنان الحديث. إن الحرب فُرضت فرضاً، ولم تكن خياراً. ومن الطبيعي أن لا توجد قراءةٌ موحّدة حول الأسباب، لأنه لو توحّدت الآراء لكانت دوائر "المركز  التربوي للأبحاث" قد وضعت كتابَ تاريخٍ موحّد للبنان. وعليه فإن ضعف الدولة اللبنانية، وبنية النظام اللبناني الهشّة شرذمت البلاد خلال الحرب، وأصبحت كل منطقة تدير شؤونها من خلال القيادات المتواجدة فيها. وبالتالي ليست تلك القيادات هي المسؤولة عن غياب الدولة، بل أن مَن وضع أسُسَ هذا النظام لم يدرك أن بنيته ستتهاوى عند أصغر أزمة.

وبالتالي يغيب عن بال جيل الشباب المنغمس في شعارات الحراك أن من بنى المدارس في الجنوب، ولم يستثنِ قرية هو نبيه بري، ومن فتح الأوتوسترادات، وربط قرى الجنوب بعضها ببعض هو نبيه بري، ومن نقل الشيعة من واقع الحرمان وأدخلهم في مؤسّسات الدولة هو نبيه بري. أما في مناطق الجبل حيث دارت أسوأ حرب بين أهل الجبل نتيجة الاجتياح الإسرائيلي، فإن من قاد حرب الدفاع عن النفس، وصان الوجود بالأرض والعرض هو وليد جنبلاط. ولم تكن هذه الحرب خياره بل فُرضت عليه، والدولة كانت في مكان آخر لم تأبه للمعاناة، ولفقدان ما يحتاجه المواطن، ومِن الطبيعي أن يكون بديلاً عن الدولة، فيقدّم المساعدات للمرضى والمحتاجين، ويؤسّس مؤسّسة لدعم الطلاب، ويمد العون لبناء القاعات في كافة القرى، ويدفع المال لحلّ المشاكل الشخصية بين العديد من المواطنين.

حدثت بعض الأخطاء في الممارسة. نعم، ولا أحد ينكرها، ولكن لا يجب مقارنتها بأخطاء من جهات أخرى، والتي عمدت على تحصيل ثروات طائلة على حساب مكتسبات ما تحقق نتيجة نضالٍ مستمر وتضحيات قدمت.

نريد عدالة. نعم نريدها، ولكن ليس بتزوير الحقائق وإنكار التاريخ. فليقرأ جيل الحراك الشعبي أن تحالف بري - جنبلاط هو من أسقط اتفاق 17 أيار، وهذا التحالف أعاد لبنان إلى السكّة السليمة. ولولا معركة سوق الغرب الشهيرة في 13 آب 1989، لما أُبرم اتفاق الطائف. وليعلم هذا الحراك أن وليد جنبلاط هو من اتّخذ منفرداً قرار هذه المعركة، وبالتالي يعود له الفضل لدخول لبنان في السلم الأهلي.

لا أحد ينكر مدى هول الأزمة التي وصلنا إليها، لكنها نتيجة تراكمات عديدة من نتاج ضعف الدولة في سنوات الحرب، ومنطق التوافق المزعوم في المشاركة في السلطة وعقلية البعض ممن يتحكم بالسلطة بالاستفراد بالقرارات والغنائم. ومنذ انتهاء الحرب عام 1990، تعاقب على الحكم رجال أعمال استفادوا من نفوذ السلطة لإبرام صفقات على حساب الدولة. وبهذا الواقع، لا يمكن وضع من أخطأ بممارسته السلطة، نتيجة غياب الدولة، ولا يلغي الدور السياسي الذي لعبه للحفاظ على هذا الوطن .

نعم هناك أزمة مستعصية. نعم هناك كارثة اقتصادية ومالية تعصف بالشعب اللبناني، ولكن بقيت هنا أرضٌ نقف عليها لنحل الأزمة، ولولا الدور  السياسي الذي لعبه رجال من أمثال بري وجنبلاط، لما بقيت على الخارطة دولة اسمها لبنان. من هنا نقول نعم، كلّن يعني كلّن بالإدانة لمن يثبت فساده بإبرام الصفقات لزيادة ثروته الخاصة. وكلّن يعني كلّن بتوجيه التحية لهم لمَن حمى لبنان بتنوّعه الديموغرافي، وببعده العربي القومي.  

 *رئيس جمعية كمال جنبلاط الفكرية