فتيان السلطان

د. قصي الحسين |

عرفت عصور الخلفاء، عهودا وأسماء. كانت قد اخترعت فرقًا خاصة لها، تلبّي حاجتها للمال، بالمصادرات، والإعتداءات والإقترافات، والإغارات، ناهيك عن الغزوات والمداهمات والمطاولات، التي كانت تطال جميع الناس، حتى ولو كانوا من الهكارين والمكارين والمتسولين، أو من القضاة والفقهاء وأئمة المساجد والجوامع و قسس الكنائس وأساتذةالمدارس، ناهيك عن الأسواق، وبيوت المال، والمزارع، ومربي الدواجن وأصحاب الأحواش والإسطبلات، والبساتين والجنائن والدكاكين وكذلك العطارين والخبازين والقصابين وتجار الحبوب، وإهراءات التخزين.

 وتوقف القدماء عند خلافة المقتدر في العصر العباسي. وقالوا: إن عهده أسوأ العهود، في تاريخ الخلافة، منذ الراشدين، وحتى سلاطين بني عثمان. وأن فساد إدارته وفساد خلافته وفساد سلطنته، كان قد بلغ شأنًا عظيما، لم يستطع أن يتحمله الناس في البلاد، بسبب إسرافه وإسراف أهله، وإسراف حاشيته، في البذخ والترف والتفضل والبذل، بدون رقيب أو حسيب، لا في أوقات الرخاء وحسب، بل في أوقات الشدة والعسر والقحط والجوع والجفاف.

 زكانت "أم المقتدر" على سبيل المثال، في زمن المجاعات،  قد إنصرفت لتزيين حديقة قصرها، بأشجار ومصابيح وفوانيس ومشاعل، إتخذت من الذهب الخالص. وكان تجار الروم،  ينيخيون قوافلهم في دور "أم المقتدر"، لتأخذ النفائس لقصرها، من المصنوعات والأنسجة والتحف الغالية الأثمان.
وكانت المجاعات، تضرب عموم الناس في الطرقات. وكانت الأمراض والأوبئة الفاشية، تغتال الأطفال والشيوخ والعجائز، في الشوارع. بينما كانت "أم المقتدر"، تلهو بتزيين حديقة قصرها، وترسل من الفتيان، من يكبس دور العامة في الليالي السوداء، فتنهب ما فيها، لتعود بها إليها.

وكان للخليفة المقتدر نفسه، "فرقة خاصة" من الفتيان. أنشأها من الشباب المدرب على أعمال السلب والنهب. وكان رئيس فرقة الفتيان، يشرف على تدريبهم، ويخضعهم لأقسى المعموديات، مثل إعتلاء الدور  ونبش المدافن والقبور، ونقب البيوت والدكاكين وسلب الناس في القفار، ونقب الجدر المحصنة، والإغارة على العساكر، وكبس مجتمعاتهم وثكناتهم، وترهيبهم ونهب أعتدتهم وجميع ما في حوزتهم. 

وكان الخليفة المقتدر، قد جعل لفرقة الفتيان مخصصات من بيت المال. وذكر إبن الأثير في تاريخه، أن علي الزيبق، "لص بغداد الشريف"، كان راتبه الشهري ينوف على ست عشرة ألف درهم. وهو أعلى راتب في دار الخلافة.

وكان المقتدر يتواطأ مع أمين بيت المال، على إقتطاع أموال غير مخصصة له، بحجج مختلفة: للمساكين في رمضان. وللتشريفات مع الروم.وللزيارات للنواحي في مناحي السلطنة، لتفقدها والوقوف على أحوالها، والإطلاع بحاجاتها، دون أن يحصل من ذلك أي شيء يذكر.

أما كتّاب الديوان، فكانوا يزوّرون له، ويزودونه بما يحتاج إليه، من المؤون والخيل والحراسة والبريد، له ولكافة أفراده وعوائله ورجال حاشيته.

وكان لا يتورع عن إرسال بعض فرسان فرقة الفتيان، لنهب الجباة وهم في طريق العودة محملين بمال الزكاة، لبيت المال. وربما سلبهم ما في حوزتهم، قبل بلوغهم بيت المال، وهم على مشارف بغداد.

 وروى الطبري في تاريخه، أن المقتدر، كان قد تواطأ مع قاضي بيت المال، لمعرفة مواعيد عودة الجباة من الأمصار. وكان قد أبلغه مرة، عن عودة بريد قاضي البصرة، محملا بأموال عظيمة، لبيت المال في بغداد. فأرسل بعوثه من الفتيان، ورابطوا له على منحدر، وكبسوه هناك،  وسيطروا على رجاله، وأخذوا منه أحماله من الصرر المختومة.

وحصل أن تعرف، شيخ الفتيان على القاضي، وأنه كان قد تتلمذ على يديه، في إحدى الحلقات المسجدية في بغداد. وتذكر أن شيخه آنذاك،كان يهتم به كثيرا، وأنه كان يؤنبه بشدة على تأخره في درسه. وأنه كان يدفع ذلك، بإعالته أهله، وهم من  الفقراء المصقعين. فكان الشيخ يتعطف عليه، وينفحه من ماله ويقاسمه زاده، ويستمهله، بعد إنفضاض الحلقة، حتى يراجع له دروسه التي تأخر فيها. وفجأة لمعت، في نفسه وفي لواعجه، كل هذة الذكريات والمواقف النبيلة للقاضي، وهو أمام سلبه. ونادى عليه بإسمه وذكره بشخصه. وقال له: سوف أرد لك بعض جميلك علي. ورمى له بصرتين أو ثلاث مما سلبه منه، إمتنانا منه لحسن صنيعه معه في زمن طفولته.

وقال له القاضي، وقد تفاجأ به: لماذا صرت إلى ذلك، وأنت كنت من المجدين. فأجابه لص المقتدر على الفور: لم يكن ذلك لينفعني. فإنظر لنفسك بنفسك، هل إنتفعت بعلمك.

أحدث بذلك اليوم للأسف. وأذكر بأن كل ما يجري، من سلب أموال الناس وودائعهم، ليست إلا طرقا طرقها السالبون من أرباب السلطان والحكام، ممن نحن تحت وطأتهم، ذلا ومهانة، إن تحت الحاكم أم تحت حكمه، أم تحت محكمته. وليس لنا إلا أن نردد، قول حكيم معرة النعمان، أبا العلاء المعري: أفيقوا أفيقوا ياغواة، فإن  "سياساتكم"/ دياناتكم، مكر من القدماء.... أرادوا بها جمع الحطام فأدركوا وبانوا ودامت سنة اللؤماء.

* أستاذ في الجامعة اللبنانية

 

الآراء الواردة في هذه الصفحة لا تعبّر بالضرورة عن رأي جريدة الأنباء التي لا تتحمل مسؤولية ما تتضمنه.