لبنان المُفلس فريسة إنتلجنسيا العصر!

21 شباط 2020 10:16:42

تسارعت الأحداث على الساحة اللبنانية بوتيرة عالية منذ ذاك اليوم التشريني التاريخي الذي قلب كل الموازين. تطورات جوهرية وتقلّبات ملفتة بالأدائين السياسي والاقتصادي حطت، وأحداث جديدة، لكن نعرفها ذكّرتنا بمصر 2011، ما بعد إسقاط الرئيس حسني مبارك، وبالأردن 2018، ما بعد إسقاط حكومة هاني الملقي. ففي القاهرة وعمّان، واليوم في بيروت، نهج سياسي-اقتصادي جديد ترسمه إنتلجنسيا العصر المستوردة من عواصم الغرب، من مكاتب الخبراء الاقتصاديين الماكثين داخل الناطحات البلورية التي بخطشة قلم ترسم اقتصادات وتستفردُ وحيدة بالتخطيط لها!
 
ما إن استقال الرئيس سعد الحريري، وكُلّف حسّان دياب بتشكيل حكومة المرحلة، حطّت مصطلحات اقتصادية- سياسية مهّدت لعمل المؤسّسات المالية العالمية التي خلقتها النيو- ليبرالية، وجعلتها ملكة على الاقتصاد العالمي. فبين ليلة وضحاها تقرر تسليم مصير البلاد سياسياً واقتصادياً الى إنتلجنسيا العصر، أي الخبراء الاقتصاديين الذين يعملون للبنك الدولي، او لمؤسّسة النقد الدولي، أو لغيرهما من المؤسّسات المالية الكبرى التي خلقها الغرب لكي تحاضر الدول النامية بسبل تطوير اقتصاداتها، وبالطرق الأمثل لبناء اقتصادات منتجة، ووقف النزيف الاجتماعي. كل ذلك بقالبٍ علمي منظم تقدّمه الإنتلجنسيا لنا، وتسوّق له على أنّه الأمثل والأكثر حياداً والأفضل موضوعيةً.

ولكن، يصح في معرض الحديث هنا الاستشهاد بكتاب "حكم الخبراء – Rule of Experts"، للباحث البريطاني تيموثي ميتشل، والذي يقول فيه بوضوح إن خبراء المجتمع الدولي الذين تركض الدول النامية لأخذ استشاراتهم ليسوا أبداً موضوعيين، ولا حتى علميين، لأن كل خطة علمية تتقدم من هؤلاء الخبراء ليست إلّا تطبيقاً لأجندة سياسية- اقتصادية معيّنة تحملها المؤسّسة المموّلة، ويطبق بنودها الخبراء.

ويستطرد ميتشل في وصف حكم الخبراء، فيشرح بدقة المقاربة التي على أثرها يقتحمون دولنا النامية باستراتيجية مذهلة تبدأ أولى خيوطها بتسويق خطابهم في الدولة النامية، وبخلق أذنٍ صاغية لهم في قلب هذه الدولة الهدف. بعد ذلك يُفرض نهج الخبراء على الطبقة السياسية بعد أن يغزوا الإعلام والمجتمع، ويكون خطابهم قائماً على انتقاد الدولة النامية، ووصفها بالرجعية، أو بالفاقدة للتطور المطلوب. ويصل الحال بهم إلى إلقاء اللوم على الثقافة المجتمعية، التي هي بنظرهم سبب رئيسي للفشل الاقتصادي والسياسي وللفقر والجوع. وهنا يتلاقى كلام ميتشل مع المفكر الفلسطيني الراحل، إدوارد سعيد، الذي وصف ونقد الاستشراق في كتابه الأشهر "Orientalism"، فدحض فيه الصورة النمطية التي قادت أبحاث المستشرقين عن العالم العربي والإسلامي، والتي كانت قائمةً على أسس غير علمية، كالثقافة أو الدين، في الوقت الذي تؤكد فيه نظرية التبعية "Dependency Theory" على أن الفقر والتخلف والاقتصادات الجنوبية الهشّة ليست إلّا نتيجة حتمية للمسار التاريخي الذي رسمته دول عالم الشمال لنا، نحن دول عالم الجنوب.
 
هذا ويتحدّث عالم الأنثروبولوجيا الأميركي أرتورو إسكوبار في كتابه " The Anti?politics machine - آلة مكافحة السياسة" عن الوجه الحقيقي لخبراء المجتمع الدولي الذين يأتون بخطط اقتصادية جديدة، ويسقطون هندسات مالية من الأعلى، وكأنه لا تاريخ لهذه الدولة، أو لا وجود لطبقة سياسية حاكمة، أو سياسات سابقة ليبنوا عليها. لذلك رأينا أن تدخّل مؤسّسة النقد الدولي في الأردن ومصر جعل الأغنياء أكثر ثراءً والفقراء أكثر عوزاً. وقد وصف اسكوبار الخبراء بمكافحي السياسة، لأن البند الأول من كل أجنداتهم يلحظ ضرورة سحب السياسة من المجتمع، أي "Depoliticizing Society"، ليتقلص دور الدولة إلى حدّه الأدنى، ويفتح الاقتصاد على مصراعيه لتلك المؤسّسات التي لا تخاطب الفرد ككائنٍ اجتماعي مرتبط بغيره من المواطنين، بل تخاطبه كفردٍ مستقل يحيا بمفرده، وكأنه لا ينتمي لمجتمع!
 
حرب الخبراء الدوليين على أرضنا للإستيلاء على مركز القرار الاقتصادي وتقليص القرار السياسي ظاهرةٌ اليوم أمامنا في لبنان، ونراها في قضية "اليوروبوند" فتأتي رزمةٌ من الخبراء التابعين لمؤسّسة مالية معينة وتتحدث عن ضرورة تسديد هذه المستحقات، لنعود ونسمع توصيات خبراء دوليين آخرين ينتمون لمؤسسة مالية أخرى، يتحدثون عن خطورة تسديد هذه المستحقات. والغريب في ذلك أنه للطرفين أساليب إقناعٍ عالية، وكل طرف يسخر من أرقام الطرف الآخر، ولكل طرف أيضاً أبواق محلية جديدة كالخبراء اللبنانيين الحديثين، الذين نراهم كل ليلة على شاشات التلفزة، أو نتابعهم يتراشقون على موقع تويتر، ولكن إن بحثنا عن سيَرهم الذاتية ندرك من يموّلهم، وأية أجندة يحملون.

ختاماً، يبقى الأهم عدم تسليم الاقتصاد إلى الذين يأتون عبر المطار بربطات أعناقٍ إفرنجية، ويسعون إلى تحديد مسارنا. والمشكلة اليوم ليست لبنانية فحسب، بل عالمية في زمنٍ أصبحت فيه الخبرة "مهنة" ليزدحم لبنان، ودول المنطقة، بإنتلجنسيا العصر. لذلك لا بد من وضع حدٍ للخبراء. فهم إن أردناهم أن يكونوا فيجب أن يكونوا استشاريين فقط، وإن لم نرِدهُم فلا يجب أن نسمح لهم بفرض نهجهم علينا، وتحديد مسار البلاد، والإتيان بمزيد من القروض، بينما نُبقي نحن اقتصادنا كما هو بفشله، قائمٌ على الاستدانة، وبعيد كل البعد عن الإصلاح الحقيقي الذي يجب أن يبدأ بقطاع الكهرباء المسروق، ولا ينتهي إلّا عند تقوية القطاعات الإنتاجية وزيادة الإنتاج الوطني.