أنابيب النفط والغاز أزمة إضافية للبنان

فوزي أبو ذياب |

تنفرد منطقة الشرق الأوسط بأهميّة قصوى في حسابات الدول الكـبرى راهناً، لما لها مـن أهميّة استراتيجيّة في المشهد السياسي الإقليمي، ولما تتمتّع به من غِـنى في مواردها الطبيعيّة، وعلى رأسها النفط والغاز، اللذين يشكّلان العصب الرئيسي للطاقة، إضافةً إلى كونها، جغرافياً، تضم مجموعة من القنوات، والبحار، والممّرات المائيّة، وحتى البرية الاستراتيجية المهمّة، ما يجعلها صلة وصل في مسارات نقل النفط الخام والغاز والمواد الأولية إلى الدول الصناعية والدول الكبرى.

كما أنا هذه المنطقة المتخمة بالأزمات، القابلة للاشتعال في أي لحظة، لارتباطها بالصراع العربي – الإسرائيلي من جهة، والصراع الأميركي- الإيراني من جهة أخرى، فإن الصراع على النفط والغاز مادة ملتهبة أيضاً تبقي شبح الحرب مخيماً في سمائها، بعد أن برز في هذا السياق نزاع استقطابي مصري – تركي بدأت تتشكل حوله محاور سياسية - اقتصادية - عسكرية.

تُعتبر مصر دولة نفطية وغازية صاعدة، لكنها تعاني عجزاً في الإنتاج النفطي مقارنة باستهلاكها الداخلي، وعلى الرغم من تزويد معظم المحطات الكهربائية بالغاز، فإن ذلك يدعوها إلى استكشاف المزيد من الحقول الجديدة لتعويض استهلاكها، والاستفادة من المنشآت والأنابيب الغازية الدولية ومحطات التسييل لأجل التصدير. 

في منتصف كانون الثاني 2019 بادرت مصر إلى عقد اجتماع في القاهرة لوزراء الطاقة في الدول المنتجة والمستهلكة والعابرة في شرق المتوسط (مصر، وفلسطين، والأردن، وإسرائيل، وقبرص، واليونان، وإيطاليا) لتأسيس منتدى غاز شرق المتوسط، بهدف دمج الغاز المصري والإسرائيلي بالقبرصي، وتصديره في مشروعٍ منفصل إلى السوق الأوروبية، وأرسى الاجتماع خريطة طريق لصادرات الغاز تستبعد تركيا، وتعطي مصر دوراً مركزياً لتلك الصناعة الاستثمارية. 

تركيا التي شكّلت بدورها نقطة عبور مهمة لنفط وغاز روسيا، ودول بحر قزوين، إلى أوروبا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، واندلاع النزاع الأوكراني – الروسي، تفتقد للاحتياط النفطي، وهي بحاجة إلى زيادة وارداتها البترولية، نظراً لضخامة وتطور صناعاتها، وهي انتهزت فرصة التنقيب عن النفط في شرق المتوسط للمشاركة في ثروات المنطقة، وبادرت للردَّ على هذه المشروعات بعقد اتفاقات أمنية وسياسية مع ليبيا، بغية قطع الطريق أمام أنابيب الغاز المصرية – الإسرائيلية - القبرصية، حيث أعلنت ترسيم الحدود البحرية بينها وبين ليبيا، والتي لقيت رفضاً واستنكاراً من اليونان والقاهرة لقرب الحدود الجديدة من نقاطها الحدودية، لا بل اعتبرتا تلك الخطوة بمثابة تهديد لأمنهما القومي.

استناداً إلى ما تقدم  ترى مصادر دبلوماسية متابعة أن، "المنطقة تتجه نحو تشكّل محورين أساسيين، قد يتحول النزاع بينهما إلى صدامات عسكرية تستفيد منها دول كبرى".

المحور الأول: "تنخرط فيه، دول رئيسية مثل مصر والإمارات، واليونان، وقبرص، وإيطاليا، وإسرائيل، ويحوز رضى ودعم دول أخرى مهمة.

المحور الثاني: عبارة عن تحالف تتزعمه تركيا، التي تضع نفسها في مواجهة إقليمية، حيث تسعى أنقرة لأن تكون نقطة تمركز أساسية لمرور أنابيب الغاز الى أوروبا، وذلك بعد أن افتتحت أنبوب الغاز الروسي – التركي مطلع العام 2020. وتشارك في هذا الحلف دول مثل قطر، وماليزيا، وإندونيسيا، ويتجه للانفتاح على تونس، والمملكة المغربية، والجزائر، والصومال.

في هذا السياق يبدو لبنان خارج الاصطفافات الإقليمية، وخارج منظومة المستفيدين من النفط والغاز المكتشف في مياهه الإقليمية، وذلك لأسباب مرتبطة بأزماته الداخلية. فبعد أن توصل في العام 2007 مع قبرص إلى رسم الخط الوسطي بين البلدين، لتعذر تحديد النقطتين الجنوبية والشمالية لهذا الخط، لأسباب مرتبطة بسوريا شمالاً، وبالصراع مع إسرائيل جنوباً، جرى تحديد النقطتين على بعدٍ قليل من النقاط الأساسية للمضي قدماً في رسم الخط الوسطي، وتم إيداع مذكرة دبلوماسية، وخرائط  الحدود البحرية عند الأمين العام للأمم المتحدة، بغضّ النظر عن النقطتين الشمالية والجنوبية.

وكشفت مصادر مطلعة  لـ"الأنباء" أن "النزاع بين إسرائيل ولبنان على مساحة مثلثة بحجم نحو 860 كيلو متر في البحر المتوسط، سببه الخلاف على طريقة الترسيم (فإسرائيل تريد رسم الحدود عامودياً بـ 90 درجة من نقطة الحدود البرية، فيما يريدها لبنان استمرار لخط الحدود البرية)". وتضيف المصادر قائلة إنه، "في العام 2012، اقترح المبعوث الأميركي فريديريك هوف، أن يحصل لبنان على 60 % من هذه المساحة المتنازع عليها، مقابل حصول إسرائيل على 40%. لكن لبنان رفض هذا المقترح، حيث راهن البعض على إمكانية تولي موسكو ترتيب تلك التسوية، طالما تشارك في عملية التنقيب. كما اقترحت موسكو شراء النفط اللبناني، وكذلك النفط الإسرائيلي المستخرج من تلك المساحات المتنازع عليها أو المتجاورة، على أن تتولى بيعها، وبذلك لا يكون هناك أي علاقة أو مشاركة لبنانية – إسرائيلية".

وبعد هوف جاء ساترفيلد مرات عدة وتلقى رسالة لبنانية تلخص الموقف الموحّد من الترسيم مع إسرائيل، وعكس أجواء إيجابية في مباحثاته في تل أبيب، بعد موافقتها على المقترح اللبناني الذي يقضي بالترسيم دفعة واحدة براً وبحراً برعاية أميركية، وبمشاركة الأمم المتحدة، لكن شيئاً جديداً في هذا السياق لم يحصل بعد. 

لكن إسرائيل كانت قد وجّهت أنظارها منذ بدء اكتشافاتها الغازية في العقد الأول من الألفية الثانية إلى استغلال الغاز داخلياً، ومن ثم التوجّه نحو التصدير، والحفاظ على 60 % من الاحتياطي للسوق المحلية، و40 % للتصدير. وبدأت في الاعتماد على الغاز لتغذية محطات الكهرباء، فيما يقف لبنان عاجزاً عن الاستفادة من ثرواته بفعل قصور الرؤية السياسية، والخلافات الداخلية العقيمة.

وفي خضم هذه الأزمات المتصاعدة في الشرق الأوسط، من حروب قديمة جديدة، وسياسة تشكّل المحاور، يبقى السؤال الأهم عن دور الولايات المتحدة وروسيا والصين وأوروبا، لجهة الحياد أو الانحياز إلى أيٍ من المحورين، حيث الأطماع واضحة لتلك الأطراف في المنطقة. ومن اللافت أن تلك الأطراف تحتفظ بعلاقات حيوية مع الدول الإقليمية المتصارعة، وتستفيد من نزاعاتها، وتسعى إلى التمدد على حسابها، ما قد يعرض دول المنطقة إلى مزيد من الانهيارات والأزمات الاقتصادية، ويدفع بكتلٍ سكانية كبيرة للهجرة دون أفقٍ واضح للاستقرار، ودون القدرة على الاستثمار في الموارد الطبيعية لدولها.