ليلة أسمهان في أوبرا القاهرة... عاصفةٌ اجتاحت المدينة

محمود الأحمدية |

العبقرية هي الطاقة التي تعطي بفضلها الطبيعة قانوناً للفن... أولى خاصيّاتها الابتكار المثالي. والخاصيّة الثانية هي الإلهام، أي أن المبدع لا يعرف من أين تأتيه الخواطر...  والخاصّية الثالثة هي أن تصبح قدوةً... هكذا كانت أسمهان... 

بناءً لدعوة كريمة من وزارة الثقافة المصرية، وإدارة الأوبرا المصرية في القاهرة، ممثلةً بالأديب المبدع الأستاذ أمين الصيرفي، مدير صالون الأوبرا الأدبي؛ وجمعية محبّي الموسيقار فريد الأطرش في القاهرة ممثلةً برئيسها الرائع الأستاذ عادل السيّد... هذه الدعوة عمرها ثلاثة شهور، وهي الرابعة إلى مصر خلال سنتين... وكانت مناسبةً رائعة ومهمة لتمثيل لبنان والعالم العربي في هذه التظاهرة الثقافية الفنية العزيزة على قلبي، وهي بتمثيل منتدى أصدقاء فريد الأطرش في لبنان...

ورأيت أنه لزاماً علينا أن نسافر ونضيء شمعةً لتذكير العالم العربي بوجه لبنان الحضاري، برسالةٍ ثقافية فنية بامتياز... أي بتكريم أسمهان للمرّة الأولى في دار الأوبرا المصرية، ومنذ تاريخ رحيلها، أي منذ ست وسبعين عاماً ... 

وباعتراف الإعلام المصري المقروء، والمسموع، والمرئي، وبشهادة الجمهور والقيّمين على تلك الأمسية بتاريخ 29/01/2020 ، فقد كانت أمسيةً تاريخية سلّطت الضوء على "ديفا" الشرق وقيثارته الخالدة، أسمهان ... ويكفي للدلالة أن 820 مقعداً امتلت، ولم يبقَ مكان لأحد. وباقي الجمهور، أي قرابة الـ 300 شخص عادوا أدراجهم لأنهم لم يجدوا مكاناً لهم... 
وفي مسيرتنا هذه هي المرة الأولى التي يتجمّع فيها هذا الحشد العربي، فكنتَ ترى السعودي، والمغربي، والجزائري، والتونسي، والعُماني، والأردني، والفلسطيني، والسوري، والعراقي... وشعبنا الحبيب في مصر، حاضنة العرب، كان على العهد .. إنه عرسٌ عربيٌ، ثقافيٌ، فنيٌ، استثنائي للخالدة أسمهان ولأهم أسماء عباقرة ذلك الزمن، الذين ساهموا بألحان تبقى في الوجدان على مرّ الزمن ... من فريد الأطرش إلى القصبجي، إلى عبد الوهاب، إلى السنباطي، إلى داوود حسني، إلى زكريا أحمد، إلى مدحت عاصم، إلى فريد غصن... وكلّ هؤلاء لحّنوا "للديفا" أسمهان. وفي مدةٍ قصيرة تجسّدُ عمر أسمهان الفني، والذي لا يتجاوز 12 عاماً، ويذهب منهم أربع سنوات عند زواجها من الأمير حسن الأطرش، مما يجعل عمرها الفني 8 سنوات فقط ... 

وكان لي شرف المشاركة بمداخلة عن أسمهان تجاوزت 25 دقيقة÷ ثم تكلّم الأستاذ أمين الصيرفي، والأستاذ عادل السيّد. وتوّجتْ السهرة أصواتٌ نسائية استثنائية غنّت لأسمهان...
1 – الفنانة فرح بسمة، بنت الإسكندرية في أغاني (يا طيور) للقصبجي، و(ليالي الأنس في فيينّا) لفريد الأطرش، و(دخلت مرّة الجنينة) لمدحت عاصم.
2 – الفنانة المغربية إيمان بن يحيى، والتي قدّمت ( إيمتى حتعرف) و(ليالي الأنس في فيينّا).
3 – الفنّانة زينب المصري التي قدّمت (يا حبيبي تعالى).
4 – الموسيقار هاني نديم قدّم على البيانو أغنيتين.
5 – الفنانة أسمهان عادل، التي قدّمت (عليك صلاة الله وسلامه)، و( يلّي هواك شاغل بالي). 

والقاسم المشترك بين الجميع كان الإبداع، والتفوّق، وإشاعة جوٍ مسحور، أسمهاني الهوى بكل تلاوين عمالقة ذلك الزمن الذهبي... 

وقدّم الأستاذ عادل السيّد فيلماً جميلاً عن أسمهان بعنوان (أسمهان لحنٌ لم يتمّ).

مرّت لحظات وكأنني أحلم... الجمهور استمع بإصغاءٍ وصمتٍ جميلين، وكأننا نصلّي في محراب الفن ... وعند بعض المفاصل كنتَ ترى القاعة الضخمة في الأوبرا وكأنها كتلة موحدة من الأكف الملتهبة تصفيقاً، ويوحّدها نجما ذلك الزمن، ودرّتا الشرق فريد وأسمهان... نعم مصر أم الدنيا... عظمتها تكمن في هذا الإعلام الخطير ببعده الإيجابي... 6 أقنية تلفزيونية و10 إذاعات، وحوالي 16 جريدة ومجلة غطّوا هذا الحدث الاستثنائي... وتشعر وكأنك بين أهلك، وناسك، ومحبّي فريد وأسمهان الكثيرين ... إنه شعب مصر الحبيب... 

تحياتي للجميع. من الأستاذ عادل السيّد، إلى الأستاذ أمين الصيرفي، إلى صديق العمر الفريدي المبدع الأستاذ وليد ِعلبي، ابن طرابلس الفيحاء وعائلته الكريمة، رفاق الرحلة الذين نعتز بصداقتهم، وأنحني احتراماً للجمهور الرائع الذي كان مثالياً في الإصغاء، والتفاعل مع هذا الحدث الجميل... 

تمثال أسمهان في طريقه للتحقّق في دار الأوبرا، ولكن متى؟... أترك للمصداقية أن تلعب دورها. والمصداقية موجودة، والحمد لله رب العالمين ... ولن أزيد.

*رئيس منتدى أصدقاء فريد الأطرش