الحكيم المغربي

د. قصي الحسين |

 من منّا لا يذكر الحكيم المغربي، في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي.

كان يزور القرى في المواسم على بغلته المزيّنة والمدندشة، وقد عُلّقت عليها الأجراس، والرُقع، والعيون، والنضوات، والريَش بالألوان الخاطفة. وتدّلت في عنقها مخلاتها المزيّنة والممتلئة بالتبن والحب. وجُعلت في ناصيتها عُقدٌ من الخرز البراق الملون، وغطت عينيها بالحُجب الجلدية السوداء، والتي لا تتيح للبغلة أن ترى ما يجري حولها. وهذا هو المطلوب، فهي مأمورة، إما إلى الأمام، وإما إلى الوراء، وإما إلى التقدم، وإما إلى التمهل.

وكانت حين تطل مطهمةً من بعيد في أول القرية، يسارع إليها الأولاد وهم يهتفون: جاء الحكيم المغربي... جاء الحكيم المغربي...

وكان صاحبها، وهو فوقها، ينادي حين يصل إلى  ساحة الضيعة على نفسه: حكيم مغربي... حكيم مغربي. فيسرع إليه المجذومون والمهلوسون، وأصحاب الحاجات الصعبة: الأكتف، والأقطع، والأخرس، والأصم، والأبكم، والأبرص، والأعرج، وغيرهم ممن أمتُحنوا، وطلبوا الشفاء، ونادوا على الدواء، فتقطعت بهم السبل، ولم يجدوا الطبيب المداوي.
 

وكان الحكيم المغربي، يُكثر من الاعتداد بنفسه، ويطعن بالأطباء وبالأدوية الحديثة، والعلم الحديث، والوصفات الحديثة، وبالدواء والأدواء. ويُكثر من الحديث لمن يتحلقون حوله لمنظره الخارق، عن مآتيه السحرية العجيبة والمجرّبة. وكيف أن فلانة أو فلاناً، أو تلك القرية، أو تلك الناحية، أو تلك المدينة، أو تلك العاصمة، أو ذلك الوجيه، أو ذلك الحاكم، وقف على أدوائهم، ووجد علاجاً شافياً لكل واحدٍ منهم.

وكان في ناحيةٍ من النواحي حاكمٌ قد بنى قصراً منيفاً ومشرفاً. وكان قد جعل في وسطه بركة كبيرة، بسعة عظمته، وبعمق جوفه، وشساعة بدنه.

 وكان يقلق لتكاثر الضفدع في البركة، وازدياد عددها يوماً عن يوم. وازدياد خدمتها أيضاً يوماً عن يوم.

وكان أكثر ما يزعجه ويقلقه في البركة هو نقيق  ضفادعها بعد مغيب الشمس، وبعد حلول المساء، بحيث يُفسد له الهدوء حوله، فيعلو نقيقها على المآدب والحفلات والمشارب، ويعكّر عليه مزاجه مع ضيوفه، وغالباً ما يكونون من الخارج.

فنادى على الحكيم المغربي، وأبلغه حاجته لإسكات الضفادع، فلا يُسمع من بعد نقيقها ولا ما يحزنون. 

فوافق الحكيم المغربي، وجعل ما نفحه به الحاكم في خرج بغلته المدشدش على الفور. جاء بقرعٍ عظيم، وانتهز وقت شدة نقيقها في عتمة الليل المدلهم، ورماه بكل قوةٍ في وسط البركة، ففاجأ جموع الضفادع، وأخرسها للحال. ونهض وودّع الحاكم، وأفرحه بما طلب، وأسرع ببغلته إلى حيث ما كان مأتاه.

ومرّت السويعات الثقيلة على مجتمع الضفادع. وأدركوا بعد الاقتراب من القرع، أنه ليس إلّا من القرع. فتسلقوا عليه واحداً بعد الآخر، وضفدعاً بعد الآخر، وصعدت جماعةٌ منهم عليه، وصاحوا بصوت واحد: قيق... قيق.. قيق..

وعلى قاعدة الشيء بالشيء يذكر، نحن في لبنان اليوم أمام امتحان حكومة الحكيم المغربي. وأرجو مع اللبنانيين جميعاً أن لا يكون الحكيم المغربي قد احتال على الحاكم بهذه الحكومة، وفاجأ الحراك والنشطاء والمنتفضين والثوار، ومن خلف الأكمات، من حراس الغابات، وأسكتهم ربما لسويعات. وربما لأسابيع، أو شهور، أو دهور. غير أن هذه الحكومة، وأنا على يقين مما أقول بالحدس الباطني، ليست إلّا من الطب المغربي، وهي لا تحسن ولا تتقن، إلّا الوعود. ولسوف يعلم الحاكم أن الحكيم المغربي، لم يأته بالحلول. ولسوف تعود الساحات في لبنان إلى أصوات الثائرين والمنتفضين من جديد. ولسوف تقول للحاكم في قصره المنيف المشرف على ساحات لبنان، وساحات بيروت: أضعتَ الطريق، أضعتَ الوقت. أضعت البلد... لأجل مستقبل الولد، "فلمَ تبكي على مُلكٍ مثل النساء، وأنت لم تحافظ عليه مثل الرجال". وفي المثل العربي القديم، "على نفسها جنت براقش."


* أستاذ في الجامعة اللبنانية

 

الآراء الواردة في هذه الصفحة لا تعبّر بالضرورة عن رأي جريدة الأنباء التي لا تتحمل مسؤولية ما تتضمنه.