هونغ كونغ تتراجع وهانوي تتقدم

17 شباط 2020 14:29:00 - آخر تحديث: 17 شباط 2020 14:33:02

انتظره جمهوره طويلاً ليقول في حليفه السابق ما لم يقله مالكٌ في الخمرة.

وانتظره صديقه العاتب، والمعتوب عليه، سمير جعجع منذ التسوية الرئاسية التي وافقه عليها، بل سبقه إليها، باتفاق معراب الممزّق، فما حصدَ الاثنان منها إلّا خيبة الأمل بالرهان على من يعِدون ولا يفون. 

وانتظره المستقلون من السياديين الذين أمضوا ثلاث سنوات عجاف، ذاقوا فيها مرارة الفراق الذي لم يرقَ إلى الطلاق، ولكنه صدّع جدران البيت الداخلي. 

وانتظره وليد جنبلاط الذي كان أول المحذّرين، وآخر الموافقين على مضض، بل وآخر المغادرين  لسفينة حكومة التسوية، التي دخلها كحارسٍ من حرّاس الطائف الذين لا يسمح لهم موقعهم في هذا الوطن إلّا اتخاذ المواقف الجامعة، حتى ولو كانت استشهادية.

وانتظرته دار الفتوى، وشارع أهل السنّة، حتى عيل صبرهما. 

وانتظره بعض أعضاء كتلة المستقبل، على جمر نار الخسائر السياسية والاقتصادية. 

حبلٌ من مسد امتدّ لثلاث سنوات طوال، ولم يُفَكْ عن جِيدِ المنتظرين إلّا بعد خراب البصرة، وانهيار سد مأرب، وسقوط الهيكل على رؤوس الجميع.

سعد الحريري أعلنَ، بعد طول انتظار، استياءه مما فات، وأمله في ما هو آت. فشدَّ عصب الصامدين معه من جمهوره، على أمل استعادة بعض مَن قفزوا من مركبه، وغازلَ وليد جنبلاط، ومدّ يده لسمير جعجع، وصفّق لأهل الحراك، ولعنَ تجربته مع التسوية الرئاسية، محمّلاً كل أوزارها لجبران باسيل دون أن يقطع الخيط مع سيّد العهد، ودون أن يلاقي المطالبين بالتنحي من الموارنة الذين رفع صوتهم المدوي مطران بيروت، ودون أن يدوس على الخطوط الحمراء التي رسمها حزب الله، بين هونغ كونغ المُدْبِرة، وهانوي المُقبِلة. 

بعد خطاب الحريري صارت ملامح المرحلة المقبلة مرتسمةً بالخطوط العريضة، حتى انتهاء عهد الرئيس عون، وربما بعده. 

هونغ كونغ تتراجع تحت تأثير الانهيار الاقتصادي والسياسي، وعدم وجود أهدافٍ استراتيجية جامعة، رغم بعض فسحات الأمل التي يفتحها صمود النخبة الواعية، وغير الخاضعة لأجندات خارجية من أهل الحراك، وتصدّي بعض المتنورين ممن يثلج الصدور كلامهم، ولكنهم لا يملكون القدرة على التغيير، كالمطران عبد الساتر. 

وهانوي تتقدم على وقع ارتدادات زلزال صفقة القرن المدوية، الحاملة في صفحاتها وعوداً بالمليارات، وفي باطنها تهديداً بالفقر، والنزاعات، والحروب المتنقلة، وإرهاصات ثورات الجائعين الذين كفروا بالشعارات. 

وما بين هانوي وهونغ كونغ في لبنان هوةٌ سحيقة تمنع الاشتباك، ولكنها تزيد القدرة على التراشق عن بُعد بين أطراف الانقسام الحاد والعامودي، في جمهورية موزٍ لا يصلح للأكل.

أما أهل السلطة، معارضة كانوا أم موالاة، فليس أمامهم سوى التأقلم مع رمال السياسة المتحركة، التي ستُغرق الكثيرين، ولن ينجوَ منها إلّا مَن كان متجذراً في وجدان بيئته، ومحصّناً بحبل علاقة تاريخية متينة مع جمهوره، وغير خاضعةٍ لتقلبات الأنظمة، ولا للتواجد في مواقع الموالاة أو المعارضة، بل تخضع فقط للتواجد في ضمير الناس، سواءً كان الزمن زمنَ شدةٍ أو رخاء.