صفحات التاريخ لا تتجزأ

وسام القاضي |

يقول المثل الشائع، "مَن ليس له تاريخ لن يكون له حاضرٌ ولا مستقبل". وبناءً عليه فإن صفحات التاريخ التي تتضمن مسيرة نضالية متواصلة لا يمكن تجزئتها أو تحريفها؛ ولا يمكن اختصارها أو إخفاؤها، مهما اعترضها من شوائب. إذ أن مَن تُكتب مسيرته بمئات الشهداء، وآلاف الجرحى، يكون قد حمل لواء قضيةٍ ناضل من أجلها، ودافع عن مضمونها.

كل ثورةٍ في العالم، أو حركة تحرّر، أو حزب نضالي، لم يكن يوماً مُنزَلاً، أو خالياً من الشوائب والأخطاء، خاصةً إذا مارسَ دور السلطة في حقباتٍ معينة. إذ أن مَن يتولى السلطة هو من صنف البشر.

ولكن هذا كله لا يلغي المبادئ والعقيدة، ولا السيرة النضالية، للهدف المنشود، ولجوهر القضايا المحقة.

نسمع من حينٍ لآخر من الذين يتصدرون الإعلام في الحراك الشعبي كلمات إدانةٍ على ما حدث في لبنان من حروب ودمار، ويستعملون عبارة الميليشيات وأمرائها، ولكن فاتهم أن سبب وجود الميليشيات في الحرب، وحتى اندلاع الحرب، كان بسبب نظرية قوة لبنان في ضعفه، وبسبب عدم الإدراك أن النظام اللبناني بحاجة لتطوير، وأن غياب الدولة هو الذي أثمر الخراب والدمار نتيجة الحرب. 

لقد ردّدها المعلم الشهيد كمال جنبلاط مراراً وتكراراً أن الحرب فُرضت علينا، ولم تكن خياراً. ولكن هذا لا يعني أن مسيرة النضال في الحروب المتنوعة التي عصفت في لبنان هي مسيرة خاطئة. فمسيرة الحزب التقدمي الإشتراكي لم تكن يوماً، ومنذ نشأته، مسيرة تقوقعٍ وانعزال، بل كانت في كل مرحلةٍ تحتضن العمل الجبهوي لتأمين أوسع مشاركةٍ وطنية في تحسين بنية النظام اللبناني.

جماهير الحزب التقدمي الإشتراكي لم تكن يوماً إلّا من صلب أي تحركٍ شعبي، لأنها جماهير العمال والفلاحين، جماهير المثقفين والمناضلين. وأي اخطاء حصلت فهي لا تلغي المسيرة الأساس، بل يجب أن تكون حافزاً على التصحيح والسير قُدماً نحو الهدف المنشود.

إن البعض من جيل الشباب، والناشط في الحراك الشعبي، لم يعش مراحل الحرب المشؤومة في لبنان وتطوراتها وتنوعاتها؛ ولم يقرأ الأسباب الحقيقية التي أدّت إلى الحرب، لهذا تغرّه بعض الشعارات الرنانة، ويرفعها مندداً بالأطراف السياسية التي مارست السلطة، وأوصلت البلاد إلى ما نحن عليه. ولكن فات هذا الجيل أن مفهوم الحكم الخاطئ، والذي فرضته الوصاية السورية على لبنان هو الحكم التوافقي، أي أنه يفرض على جميع القوى الانخراط في الحكم، ولكن طبعاً في نسبٍ متفاوتة؛ فمَن يتولى الرئاسات الثلاث، ومَن يتولى الوزارات الأساسية، ومَن لديه الكتل النيابية الكبيرة، يتحكّم بتفاصيل الحكم، أما المشارِك وفقاً للحجم الذي كُبِّل به بفضل نظامهم الطائفي الذي يتمسّكون به، لا يُسمح له بتطبيق أي اقتراحٍ للتطوير والتحسين. من هنا فإن الفساد المستشري، والهدر الذي حصل، تتوزع مسؤولياته وفق أحجام التمثيل في الحكم؛ لأن هنالك العديد من الصفقات التي كانت تمرّ في الخفاء بين من يقود السفينة، وبعض ركّاب السفينة يحذّرون، ولكن لا من سميع ولا من مجيب.

التغيير له مستلزماته، والثورة لها حيثياتها، والانتفاضة لها مقوّماتها، فالأحزاب التي لها جماهير تطالب بالتغيير، وتعيش الثورة، وتمارس الانتفاضة، لا خوف عليها، لأنها تصوِّب البوصلة عند أي إخفاق؛ خاصةً وأنها تفتخر بإرثها وتعتز بالسيرة النضالية، ولم تتنكّر يوماً لدماء شهدائها، وما زالت وفيةً للرسالة التي حملها المعلّم الشهيد كمال جنبلاط.

*رئيس جمعية كمال جنبلاط الفكرية