"رئيس الظل": مغامرات تكمل المسار العبثي!

رامي الريّس |

ليست التسوية عيباً في السياسة، بل على العكس فإنها قد تشكل حلاً ومخرجاً لأزمة مستعصية ومعقدة يمكن لها أن تنفجر وتدمر الإستقرار السياسي والسلم الأهلي. وللتذكير، المعلم كمال جنبلاط إسترشد "جمال التسوية" من غاندي واعتبرها أنها تصّب ولو مؤقتاً، في إطار الحلول للازمات. 

ولكن للتسوية شروطها ومرتكزاتها، لذلك حذّر كمال جنبلاط "ألا تقلل التسوية من إيماننا بضرورة التحدي المكابر للمظالم والشرور ولتدبير السلطان ولو وجدنا أنفسنا في الميدان ولا نصير لنا...".

من هنا، عندما تصبح التسوية استسلاماً وانهزاماً لطرف أمام الآخر، فإنها تفقد معناها وتتلاشى ضروريتها وحيثياتها ومسبباتها، فتتحول إلى عبء سياسي وشعبي يفاقمه الخلل في التوازنات الذي يتولد عن الإخلال بها، وهذا ما حدث فعلاً بين تيار المستقبل والتيار الوطني الحر.

إن الإعلان الواضح والصريح لرئيس تيار المستقبل سعد الحريري أن "التسوية أصبحت من الماضي" هو خطوة هامة لإستعادة التوازن الذي فقد في البلاد، ومنطلق هذا الكلام لا يرتبط برفض مبدأ التسوية، كما سبقت الإشارة، بل بسبب التنكيل المنهجي الذي قام به التيار الوطني الحر الذي صار يقارب الملفات الوطنية وينظم علاقاته السياسية بمكابرة وعناد نتيجة الانتفاخ السياسي الذي تولد لديه بعد تفاهم معراب مع القوات اللبنانية والتسوية مع تيار المستقبل، وكان قد استبقها بتفاهم مار مخايل (2006) مع حزب الله، الداعم الأول والأساسي الذي يتغاضى عن كل تجاوزاته الداخلية وحركاته "الصبيانية" في بعض الأحيان لأنه يسلفه في سياسة المراوحة حيال الخطة الدفاعية وسياسة المراعاة في السياسة الخارجية.

لكن الواضح أن التيار لم يحترم كلمته وتوقيعه والدليل ان أداءه كان دائماً مؤقتاً مع حلفائه وأخصامه على حدٍ سواء، وهو ما يعكس إما قلة درايته بمخاطر التلاعب بالتوازنات السياسية الداخلية، وإما إعتقاده بأنه قادر على تغيير المعادلات نتيجة فائض القوة الذي توفر له من خلال قانون الانتخاب الهجين الذي استولده ونتيجة دعم حليفه الأول حزب الله الذي يملك تأثيراً كبيراً على مجريات الأمور ليس على الساحة الداخلية فحسب، بل في الوضع الإقليمي أيضاً.

لم يتوانَ التيار، في كل محطاته السياسية، عن المبالغة في تشويه مرتكزات الديمقراطية اللبنانية الهشة أساساً، ولم يجد حرجاً في إختراع شعارات واهية كالميثاقية والشراكة وإستعادة الحقوق المهدورة وسوى ذلك من العناوين التي تستجدي العناصر الطائفية والمذهبية والشعبوية لتعزيز مصالحة الفئوية الضيقة، حتى ولو كان على حساب العيش المشترك والمصالحات الداخلية.

إن التمادي في ضرب العلاقات السياسية الداخلية من خلال تقديم تفسيرات خاطئة لمفهوم المشاركة في إطار ما اصطلح على تسميته "الديمقراطية التوافقية"، تارة بالميثاقية وطوراً بالثلث المعطل وسواهما يؤكد لما لا يقبل الشك أن هذا التيار يتوج مسيرته العبثية التي أطلقها منذ إطباق العماد ميشال عون على قصر بعبدا سنة 1989 وجره البلاد إلى حربين مدمرتين لم ترتكزا إلى أي أفق سياسي أو عسكري وكانتا مجرد رد فعل جنوني على عدم وصوله إلى كرسي الرئاسة.

اليوم، إستراح الرئيس بوصوله إلى الكرسي والتقاطه الصور مع النياشين المعلقة على بزته، وسلم الدفة إلى "رئيس الظّل" كي يجرّب حظه بدورةٍ جديدةٍ من "العبثية السياسية" لا يدري أحد إلى أين ستقود البلد!