ناصيف حتّي زهده في الرئاسة وراء موافقة باسيل على توزيره

14 شباط 2020 20:42:39


مهمة حتّي في وزارة الخارجية لن تكون سهلة، خصوصا في ظل الظروف الاقتصادية والمالية الصعبة التي يمرّ بها لبنان، إضافة إلى الظروف الإقليمية.

بعد المعاناة الكبيرة التي مرّت فيها المشاورات لتشكيل الحكومة اللبنانية برئاسة حسّان دياب، تبيّن أن حقيبة وزارة الخارجية كانت إحدى العقد الرئيسية أمام إخراجها إلى النور نظراً لإصرار رئيس الجمهورية ميشال عون وعناد صهره وزير الخارجية السابق جبران باسيل على الاحتفاظ بهذه الحقيبة السيادية نظراً لما تمثّله من تأثير “مفترض” على اسم رئيس الجمهورية المقبل، حتى آلت إلى السفير ناصيف حتّي.

وسبب عناد باسيل لفرض اسم وزير الخارجية الذي سيخلفه في قصر بسترس يعود إلى المحاصصة الطائفية التي أضحت سمة لازمة في تشكيل الحكومات اللبنانية، حيث كرّس العرف الخارجية من نصيب الموارنة والداخلية من نصيب السنّة مقابل المالية للشيعة والدفاع للروم الأرثوذكس. وانطلاقاً من هذه القاعدة راح باسيل ينتقي من بين الموارنة الأسماء التي يفترض أن الرئيس دياب سوف يقترحها لتولي حقيبة الخارجية ممن يعدّون الأقل خطراً على طموحاته الرئاسية، فكان أن وقف بكل جوارحه معارضاً إسناد هذه الحقيبة للوزير دميانوس قطّار الذي يعتبره مرشحاً رئاسياً جدياً وخصماً لن يكون من السهولة التفوق عليه، وبقي يرفض الأسماء تلو الأسماء، إلى أن قبل «مُكرهاً لا بطلاً»  بالوزير حتّي، ربما لغياب الطموحات الرئاسية لدى الأخير، أو لأنه أبدى زهداً نادراً في المنصب، ما أقنع باسيل بالقبول به لتولي المنصب.

 

شؤون عربية

سبب تعنت باسيل بفرض اسم وزير الخارجية الذي خلفه في قصر بسترس يعود إلى المحاصصة الطائفية التي أضحت سمة لازمة في تشكيل الحكومات اللبنانية.

الوزير حتّي نال الإجازة في العلوم السياسية من الجامعة الأميركية في بيروت عام 1975، والماجستير في العلاقات الدولية من الجامعة ذاتها، وحصل على الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة جنوب كاليفورنيا بالولايات المتحدة.
شغل حتي منصب المتحدث الرسمي باسم جامعة الدول العربية ثم رئيساً لبعثة جامعة الدول العربية في فرنسا والمندوب المراقب الدائم للجامعة لدى منظمة اليونسكو. وقبل ذلك شغل منصب المستشار السياسي والدبلوماسي الخاص لأمين عام جامعة الدول العربية، وكان أيضاً أستاذاً في العلاقات الدولية وشؤون الشرق الأوسط في الجامعة الأميركية بالقاهرة، وعضواَ في هيئة تحرير مجلة “شؤون عربية” الصادرة عن جامعة الدول العربية.
 

إلى جانب ذلك كان حتّي أستاذاً زائراً في الأكاديمية المتوسطية للدراسات الدبلوماسية في مالطا. كما أنه كان يحاضر حتى وقت قريب في العديد من الجامعات الغربية ومراكز الأبحاث، ويساهم بمقالات سياسية في العديد من الصحف العربية.

وقد شارك في الكثير من الندوات والمؤتمرات حول قضايا الشرق الأوسط وقضايا المتوسط والسياسة الدولية، وهو عضو في مراكز أبحاث تعنى بالقضايا الدولية وقضايا الشرق الأوسط.


القدر الجغرافي والصفقة

خلال حفل التسلم والتسليم التقليدي في وزارة الخارجية، كانت للوزير حتّي أوّل إطلالة إعلامية بعد تسلّمه مهامه حيث قال إن “قدر لبنان بسبب جغرافيته السياسية أن يتأثر إلى حد كبير بصراعات المنطقة، وعلينا أن نسهم بالقيام بدور الإطفائي لإطفاء الحرائق المشتعلة في المنطقة”، متمنياً “بناء وتعزيز جسور التواصل مع المجتمعات الدولية”، ومشيراً إلى أن “هذا الأمر سيبقى في طليعة اهتماماتنا”.

لن تكون مهمة حتّي في وزارة الخارجية سهلة بالتأكيد وخصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية والمالية الصعبة التي يمرّ بها لبنان، ناهيك عن الظروف الإقليمية التي كانت باكورة اختباراته فيها صفقة القرن التي أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فسارع حتي الضليع في شؤون الجامعة العربية إلى التعليق في حديث تلفزيوني بالقول "صفقة القرن هي محاولة للالتفاف على بعض القرارات وعلى بعض المبادئ الدولية التي تعنى بالشأن الفلسطيني، لاسيما حق الشعوب في تقرير مصيرها"، لافتاً الى أنه "لا يمكن اللعب بمبدأ الحدود أو أن يأتي رئيس ويعطي حدود دولة لدولة أخرى"، مبيناً أنه "سيذهب الى المؤتمر الاستثنائي لجامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية  لبحث خطة السلام وسيتم تجديد موقف لبنان الذي أعلن عنه في بيروت عام 2002، أما موضوع التوطين فهذا الأمر مرفوض".

ويرى حتّي أن المطلوب هو التحرك دوليًا على كافة الأصعدة لتحقيق السلام في فلسطين، ويقول "لا يمكن التفاوض ضمن مرجعية مفروضة أحاديا، وعلينا جميعا تحصين البيت العربي وتوفير كافة أنواع الدعم للموقف الفلسطيني والتحرك دوليا للعمل على تحقيق السلام".

ولم تتوقف الدبلوماسية اللبنانية بقيادة حتّي عن التنبيه إلى مخاطر هذه الصفقة، حيث توجه بعد المؤتمر الاستثنائي لجامعة الدول العربية إلى مدينة جدة في المملكة العربية السعودية حيث انعقد مؤتمر منظمة التعاون الإسلامي فكانت لحتّي كلمة قال فيها إن "المقترحات والأفكار التي تطرح حلولا تحت عناوين تحقيق السلام هي حلول تقوم على ما يشبه دويلة فلسطينية منقوصة السيادة وعلى بعض الأراضي الفلسطينية وتريد أن تضفي الشرعية على الاحتلال وتتجاهل ما هو مبادئ قانونية وتسقط قرارات دولية"، مشيرا الى أن "هذه الأفكار لا يمكن أن تؤدي إلا إلى المزيد من التوترات والمخاطر والدمار".

وأكّد حتّي أن "المطلوب منا اليوم هو التنسيق الفعلي والتحرك العاجل على كافة الأصعدة للعمل على تحقيق السلام حسب المرجعيات الدولية المعروفة، ومبادئ مبادرة السلام العربية وقرار مجلس جامعة الدول العربية الذي انعقد في دورة غير عادية".


في مرمي النيران

مواقف حتّي هذه لاقت إشادة في الداخل اللبناني حتى أن بعض الأوساط السياسية ذهب إلى اعتبار أن "الوزير حتّي سجّل نقطة إيجابية في موضوع النأي بالنفس والتزام لبنان بمبادرة السلام العربية التي أعلنت في قمة بيروت في العام 2002 والتمسك بحقوق الشعب الفلسطيني وقيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس، والتأكيد على الدعم الكامل لنضال الشعب الفلسطيني وحق العودة ورفض التوطين بكافة أشكاله".

لكن ورغم تاريخ حتّي المعروف بمساندة القضية العربية المركزية وهي قضية فلسطين، فإن محاولات التشويش عليه لم تغب عن صفحات الصحافة اللبنانية، فتولت إحدى الصحف المعروفة بقربها من حزب الله نشْر مقالٍ اتهمت فيه حتّي بأنه أجرى مقابلة مع محطة تلفزيونية إسرائيلية أثناء توليه مهامه في العاصمة الفرنسية باريس باسم الجامعة العربية، فسارع وزير الخارجية الجديد إلى إصدار نفي للخبر مشيراً في بيان إلى المقابلة التي أجراها وقال إن

"كريستيان مالار صحافي فرنسي معروف يزور الدول العربية وكنا نلتقيه كما نلتقي عددا من الصحافيين الفرنسيين عندما كنت في مسؤولياتي في فرنسا، وقد أجريت معه مقابلة في إحدى المرات ولم أعلم لأيّ قناة أو إذاعة يريد إعطاءها، ولكني علمت في ما بعد أنه أعطاها لإحدى قنوات التلفزة الإسرائيلية".

وأضاف "إن مواقفي الرسمية والوطنية والعربية معروفة جدا، وكنت في طليعة المدافعين، عن اقتناع وليس فقط انطلاقا من موقعي الرسمي، عن القضايا العربية وعن موقف لبنان في الساحات الدولية وفي فرنسا خاصة، ولا يمكن بأيّ شكل من الأشكال أن أجري مقابلة مع قناة عدوّة. ما حصل أن كريستيان مالار أجرى معي تلك المقابلة ثم أعطاها لقناة إسرائيلية يبدو أنه بدأ بالعمل معها، ولم أكن على علم بذلك. أنا أجريت المقابلة مع صحافي فرنسي أعرفه منذ سنوات وهو يزور الدول العربية. والكل يعرف تاريخي الوطني والعربي في فرنسا وقبلها وبعدها".

 

الوزير والقنابل الصوتية

حتّي يؤكّد أنه لا يمكن القول بانعدام الحماس العربي للتواصل مع لبنان، وهو يعتبر أنّ عليه محاولة تعزيز الموقف اللبناني.

حتّي الذي أعلن عقب المحادثات التي أجراها مع نظيره البلجيكي فيليب غوغن أنه "آن الأوان لعودة آمنة للنازحين السوريين إلى بلادهم"، لم يسلم في هذا الموقف من انتقاد وجّهه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي كتب في تغريدة على موقع تويتر للتواصل الاجتماعي

"يبدو أن وزير الخارجية الجديد ناصيف حتّي يحبّ تفجير قنابل صوتية كبيرة، كي يوازي سلفه في ادعاءات المبالغة، كي لا أقول العنصرية المعروفة"، ناصحا إياه باستبدال منصبه من الخارجية إلى الكهرباء. ولعلّ جنبلاط أراد من هذه التغريدة التذكير بمواقف باسيل "العنصرية" تجاه النازحين السوريين أكثر من توجيه السهام إلى حتّي.

يؤكّد حتّي أنه لا يمكن القول إن لا حماسة عربية للتواصل مع لبنان، معتبرًا أنّ عليه محاولة تعزيز الموقف اللبناني. وهو يقول "سنتجه نحو كل الدول العربية لتعزيز العلاقات. والمطلوب اليوم بناء الثقة من خلال الامتناع عن اتّخاذ مواقف حيال الدول العربيّة، والتي لن تصبّ إلّا بإيقاع الضرر بلبنان واللبنانيين كافة".

وشدّد على أنّه لا ينتمي إلى طرف معيّن بل يعمل بحسب قناعاته، قائلاً "لو وَضَعَ أيّ أحد شروطًا عليّ لما كنت في الوزارة اليوم، وأنا لا أنتمي إلى أيّ حزب بل أتحاور مع الجميع والدبلوماسية تفرض الإصغاء إلى الجميع".

يطالب حتّي بإخراج مسألة اللاجئين من التجاذب الداخلي في لبنان، ويلفت إلى أنّ "هناك مسؤولية دولية لمساعدة الدول المضيفة"، مشدّداً على أنّ "لا أحد يستطيع فرض التوطين".

لن تكون مهمة حتّي ومن ورائه حكومة الرئيس دياب بكاملها مهمة يسيرة، وطريقها لا يتوقع لها أحد أن تفرش بالورود، لكن المهم بالنسبة إلى رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل أن خلفه في وزارة الخارجة لن يكون عقبة أمام حلمه بالوصول إلى رئاسة الجمهورية، رغم أنه ماروني بامتياز.