دولة "قيد الدرس" بعد رحيله

في ذكرى رحيله، لا بدّ من أن نُظهّر الخطة القائمة على الرؤية، وعلى استشراف مُستقبل جديد للبنان، كان يجب اعتماد السير في طريقه بعد مأساة الحرب الأهلية التي دامت مدّة طويلة.

لقد استطاع رفيق الحريري ان يجمع بنفسه، مؤهّلات متعدّدة، تخوّله ان يركب تلك المغامرة، أي مغامرة إنقاذ لبنان وتوحيده، وبناء الدولة.

أول هذه المقوّمات انه كان شديد الإيمان بالشعب اللبناني وحيويته، وشديد الإيمان أيضاً بمقدرة الفرد اللبناني على الخروج من الأزمة إلى الفرج.

وثانيها، أنه كان يتّكل على شبكة علاقات عربية ودولية أهّلته للقيام بدور مهم في إنجاح مفاوضات الطائف، أي الاتفاق الذي أدّى إلى وضع حد للحرب الأهلية. ولقد استطاع أن يمدّ جسوراً وطيدة مع النظام السوري الذي كان يهيمن على قسم كبير من الجغرافيا اللبنانية، حيث تمّ التوصل الى توافق بين قوى اقليمية ودولية، على أن يقوم رفيق الحريري بإطلاق ورشة جديدة لبناء لبنان الجديد.

إستطاع أن يتجاوز الموضوع المالي بأن أمّن موارد كبيرة، من خلال الصداقات التي تربط لبنان بالدول العربية، ومن خلال علاقاته الوثيقة بالمرحوم الرئيس جاك شيراك الذي فتح داراً للمزاد قي قصر الاليزيه، من اجل تدعيم لبنان، ومساعدة الرئيس الحريري في خطته.

ولقد كان من المعجزات ان يتحوّل الوسط التجاري في بيروت، في مرحلة قصيرة، من ساحة للمتاريس وعُشش للغربان وأرض للزواحف والقوارض، الى مدينة يعتزّ بها الشرق، ويفخر بها المستقبل، وتعتزّ بها العراقة.

أراد رفيق الحريري ان تكون ورشة الإعمار تحت ظل مصالحة سياسية كبيرة، فمدّ يده الى غبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، وحاول ان يخترق الطوائف، كي ينتمي مشروعه الجديد الى اللبنانيين كلّهم، لا الى فئة معينة أو طائفة محدّدة.

لا شك أنه راهن على عاملين خارجيين إثنين: الاول، هو موافقة الدولة السورية على مشروعه، والثاني، الآلية التي كانت سائدة في ذلك الوقت في اتجاه تسوية سلمية في الشرق الاوسط. ولكن التسوية التي فشلت، والرعاية السورية التي انقلبت الى ضدّها، جعلت رفيق الحريري في مهبّ الخطر، رغم انه من الرجال المرنين الذين يستطيعون ان يستوعبوا ويتكيّفوا مع المخاطر.

ولكن اللحظة التي استطاع فيها رفيق الحريري ان يعلن بداية وجود لبنان في إطار دولة قوية ديموقراطية تعتمد على الدستور والقانون وتتمسّك بهويتها العربية، مُكتسباً ثقة عربية لتمثيل مصالح الامة لدى المحافل الدولية، وبعد مواقفه الشجاعة حيال مجزرة قانا، كانت إيذاناً بأن رفيق الحريري قد ذهب الى أبعد ما هو مسموح به، فصدر القرار بشطبه من قيد الحياة وشطب مشروعه من مستقبل الوطن.

ولكن ردّ الفعل الشعبي اللبناني الموحّد كان أكبر من المتوقّع، فخرج الجيش السوري من لبنان، وحاول سعد الحريري أن يرفع الراية من مكان سقوطها. ولكن احتدام النزاع الاقليمي والدولي حوّل لبنان، مع الأسف، حطباً في محرقة ذلك الاستقطاب الخطير. لقد ذهب رفيق الحريري تاركاً وراءه سنة 1998، أي عندما جرى إبعاده، ديناً بقيمة 18 مليار دولار، أُنفق بمعظمه على الإعمار وإعادة الكهرباء وبناء المطار وتجهيز المرافئ وتأهيل المرافق. ولكنه بعد رحيله، لــ 15 عاماً، ما زال عُرضة للهجوم الظالم على انجازاته وذلك بنسبة الافلاس الى سياسته التي لم تكلّف سوى ذلك المبلغ الذي اشرنا اليه، في حين أن الشعب اللبناني دفع ثمن الظلمة الكهربائية وحدها 40 مليار دولار، وأن الدولة منذ رحيله قد اصبحت دولة قيد الدرس، تنأى بنفسها مرة وتزجّ بنفسها مرات، ولكنها في النهاية خرجت من حاضنة العطف العربي والدولي واصبحت بحاجة الى وكيل للتفليسة، بعدما جرى نهب كل مواطن لبناني برزقه وودائعه.

أريد في هذه المناسبة، أن أوجه رسالة الى الحكومة الجديدة التي نالت الثقة أمس بشقّ الانفاس، أقول فيها: تستطيعون أن تكتسبوا ثقة شعبية هائلة، بأن تبدأوا من استعادة حلم رفيق الحريري الذي ارادوا اغتياله في ذلك اليوم المشؤوم.