المبادرات الأميركية المُتسارعة

من البديهي أن تتأثر حركة الإدارة الأمريكية في الأشهر التي تسبق الانتخابات الرئاسية التي تجري في نوفمبر/تشرين الثاني، بما يُحيط بهذه الانتخابات. فالرئيس الذي يتهيأ للمغادرة يفتقد الى الحماسة في حركيته، أما الرئيس الذي يتهيأ لخوض انتخابات لتجديد رئاسته لولاية ثانية، فيبحث عن كل ما يمكن فعله لتثبيت مكانته، وتدعيم فرص نجاحه، من خلال إطلاق مبادرات تحمل أفكاراً جديدة، وترضي بعض شرائح الناخبين، أو الذين (يمونون) عليهم في الداخل الأمريكي وخارجه.

وعلى هذه الوتيرة المتسارعة من المبادرات تسير إدارة الرئيس دونالد ترامب؛ لأنه مُرشح الحزب الجمهوري لولاية رئاسية ثانية، بعد نهاية ولايتها الأولى آخر عام 2020. ولهذه المهمة الشاقة يتهيأ ترامب ومساعدوه في الإدارة الحالية- ومنهم أفراد من عائلته- لخوض مغامرات نوعية يميناً ويساراً، ويواجهون تحديات داخلية كبيرة، وقد خرجوا من أحد هذه التحديات منتصرين في 5 فبراير/شباط، بانتصارهم في التصويت على إجراءات عزل الرئيس في مجلس الشيوخ بأغلبية 52 صوتاً رافضاً للعزل، مقابل 48 مؤيداً له. لكن حراك الإدارة الخارجي كان محط تساؤلات؛ لأن بعض المبادرات فيها مجاملات واضحة لبعض الدول التي لها تأثير في ناخبين أمريكيين، ومنها «إسرائيل» وبعض دول البلقان وأمريكا اللاتينية وإفريقيا.
من المؤكد أن توقيت إطلاق مبادرة السلام الأمريكية للشرق الأوسط، أو ما يطلق عليها «صفقة القرن»؛ تحمل محاباة واضحة للناخبين اليهود في الولايات المتحدة، وهي تفتقد للتوازن الضروري في أي مبادرة حيادية. وقد ساهمت تصريحات ترامب حول القدس والجولان، إبان إطلاق المبادرة، في التعجيل بالرفض العربي لها، من خلال بيان وزراء الخارجية العرب؛ لأن المبادرة كما التصريحات لم تراعِ المشاعر القومية العربية، ولا مصالح الشعبين الفلسطيني والسوري، بحيث أشار ترامب إلى أن القدس عاصمة أبدية موحدة «لإسرائيل» والجولان العربية السورية جزء من الكيان «الإسرائيلي»، وهذا ما لا يمكن الموافقة عليه على الإطلاق.

وفي سياق المبادرات الأمريكية التي تهدف إلى تحقيق نفع انتخابي رئاسي، زيادة موازنة الدفاع الأمريكية للعام 2020 لتصبح 738 مليار دولار، بعد أن كانت 716 ملياراً في العام 2019، بحجة مواجهة روسيا- بما في ذلك دعم أوكرانيا عسكرياً بمبلغ 300 مليون دولار- في إشارة إلى عدم اتفاق ترامب مع روسيا؛ لأن هذه المسألة بالذات كانت المدخل الذي استعمله خصومه الديمقراطيون للبدء بعملية عزله الفاشلة، واتهموا روسيا بالتدخُل لصالحه في الانتخابات السابقة.

ومن أبرز المبادرات الخارجية ذات الخلفية الانتخابية؛ كان إطلاق «التحالف الدولي للحرية الدينية» في 5 فبراير 2020، وهو تنفيذ ملموس لنداء كان قد أطلقه الرئيس ترامب في المؤتمر العالمي لحماية الحريات الدينية الذي انعقد في سبتمبر/أيلول 2019. وهذا التحالف الدولي الذي أعلن عن إنشائه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، يضم 26 دولة، إضافة للولايات المتحدة الأمريكية، وفي عضويته دولة إسلامية واحدة هي السنغال، بينما أغلبية الدول الأعضاء من أوروبا وأمريكا اللاتينية، إضافة إلى «إسرائيل» وهذه الدول لديها جاليات ناخبة مؤثرة في الولايات المتحدة الأمريكية.

من اللافت عدم وجود أي دولة عربية في هذا التحالف الدولي الجديد، برغم أن موضوع الحريات الدينية يهم الوطن العربي الذي يحوي تنوعاً كبيراً من الأديان السماوية، ومنه انطلقت أهم هذه الديانات. وهناك مؤتمرات دولية حول حوار الأديان والتسامح الديني عُقدت في أكثر من دولة عربية.

تخلق هذه المبادرة الأمريكية الجديدة التي تؤسس لتحالف دولي لحرية الأديان بعض التساؤلات، بحيث إن الموضوع برأي خبراء لا يحتاج إلى تحالف، بقدر ما يحتاج إلى مبادرة لتفعيل تطبيق مندرجات الاتفاقات الدولية التي تحمي هذه الحريات الدينية، ولاسيما منها: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للعام 1948، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية للعام 1966، وإعلان الأمم المتحدة للعام 1981، والذي يدعو للقضاء على كافة أشكال التمييز الديني.

بعض المبادرات الأمريكية- لا سيما الأخيرة منها- تحمل تعارضاً واضحاً مع قواعد القانون الدولي، خصوصاً مع قرارات مجلس الأمن ومع بعض الاتفاقيات ذات الصلة.