الحبل المقطوع والثقة المفقودة

استيقظَ وعلى باب منزله إنذاراً بالإخلاء. وكان قد أبلغه ربّ عمله أن أجره الشهري خُفّض إلى النصف، وسعر الصرف الحالي للدولار الأميركي ذوّب الباقي منه في صندوق الماركت، فلم يبقَ من أجره أي شيء. له ولدان أقساطهما المدرسية فات استحقاقهما، وقرشه الأبيض أصبح أسوداً، فسوق القطع والمصارف تكفّلا بذلك.

وفي المقلب الآخر عهدٌ، قويةٌ رجالاته تسيطر على الوزارات الأساسية، وتعيث فيها فساداً. وقياداته يستقلون الطائرات الخاصة لسفراتهم الخارجية، ويجنّدون الدولة وأجهزتها الأمنية لزياراتهم الداخلية، ويعقدون الصفقات، ويتصرفون بالقطاع العام وكأنه شركة عائلية خاصة، ويوظفون أتباعهم وأزلامهم دون رقيبٍ أو حسيب، ومن يعارضهم خائن وفي أحسن الأحوال معرقلٌ لا يريد النجاح للعهد.

حال هذا المواطن حال أغلبية الشعب اللبناني الذي يعاني العوز، وقريباً الجوع. والعهدُ على عهده، والحليف على وعده، والأسود القاتم على لونه يبشّرنا بموسمٍ من الطفيليات والفطريات التي تكره النور، وتعشق الظلال والسواد .

وكأنما الشمس، بنورها الخلّاق المبدع للألوان المتعددة في الطبيعة الحيّة، المنتجة لحركة الوجود، المتفاعلة مع عناصر الحياة المتمثلة بحركة التغيّر الدائم، قد حجبتها غيوم اللون الواحد، المؤمنُ بسكون الحركة وجمودها ليبقى هو الوحيد المتفرد بتشكيل الصورة الضبابية التي لا يمكن إلّا أن تعكس سواده الداكن، ورؤيته الظلامية في تكوين النظام، والعاجز عن تأمين البديل القادر لمحاكاة تطلعات ومطالب الشعب، وعلى الأقل بحكومةٍ من الاختصاصيين تعيد وصلَ الحبل المقطوع بينها وبين الجماهير، وتعيد الثقة للمواطن بالدولة.

أما والحالة كما هي عليه، بسواد اللون الواحد، وعقلية التفرد، والاستئثار؛ ومع تشكّل النظام المخابراتي البوليسي، وبناء الجدران العازلة للدولة عن مواطنيها، وانعدام الحوار، سيبقى الحبل مقطوعاً، والثقة مفقودة.

الآراء الواردة في هذه الصفحة لا تعبّر بالضرورة عن رأي جريدة الأنباء التي لا تتحمل مسؤولية ما تتضمنه.