في الحراك... والعهود

صلاح تقي الدين |

منذ انطلاق الانتفاضة الشعبية العارمة في 17 تشرين الأول الماضي، كان في مقدمة الشعارات التي رفعتها إسقاط العهد والحكومة، فتحقق المطلب الثاني نتيجة شعور رئيس الحكومة بالمسؤولية فقدّم طوعاً استقالة حكومته ولم يسقط عنوة، فيما لا يزال المطلب الأول معلقاً لأسباب عديدة أهمها الانفصال عن الواقع واللامبالاة التي يتميّز بها أركان العهد من رئيسه ونزولاً.

ولسببٍ ما، غاب المطلب الثاني عن الحراك، وحده الحزب التقدمي الاشتراكي لا يزال يرفع شعار فشل العهد وضرورة رحيله، لكن الطريقة الوحيدة الممكنة لتحقيق ذلك هي عبر المؤسسات الدستورية، فلبنان ليس بلداً تنجح فيه الانقلابات العسكرية، وهي محاولة جرت مرة واحد ليلة رأس السنة في العام 1961 وفشلت، ولا الاستيلاء الشعبي على السلطة، فالتغيير لا يتم إلا عبر المؤسسات الدستورية.

كثيرة هي المحطات السياسية التي يجب التوقف عندها في سياق المطالبات بالمحاسبة وتحميل المسؤوليات للعهود المتعاقبة بدءاً من عهد رئيس الاستقلال الأول الرئيس بشارة الخوري الذي أطاحت بولايته الممددة جبهة المعارضة الوطنية التي قادها المعلم الشهيد كمال جنبلاط إلى جانب الرئيس الراحل كميل شمعون والنائب والوزير والصحافي الراحل غسان تويني وآخرون، وهو سارع إلى تحمل المسؤولية وقدّم استقالته من الرئاسة، وربما هذا ما كان يعنيه رئيس أساقفة بيروت للموارنة المطران بولس عبد الساتر في عظته أثناء الاحتفال بعيد مار مارون الأسبوع الماضي عندما قال "الاستقالة أشرف".

وفي العام 1958، وبعد انحياز شمعون إلى حلف بغداد، علت الأصوات المطالبة برحيله عن السلطة إلا أنه أبى أن يفعل ذلك فكانت ثورة 1958 الدموية والتي استمرت إلى آخر يوم من عهده، فانعقد المجلس النيابي لانتخاب الرئيس فؤاد شهاب الذي ونتيجة الامتعاض من تدخلات المكتب الثاني (مخابرات الجيش) في الحياة السياسية حاول الحزب السوري القومي الاجتماعي الانقلاب عليه في آخر ليلة من العام 1960، فباءت المحاولة بالفشل واستمر شهاب في ولايته.

ونتيجة الظروف السياسية الداخلية والاقليمية المحتدمة، وبداية الأحداث الدموية في العام 1975، ارتفعت مطالب الحركة الوطنية اللبنانية بضرورة سقوط عهد الرئيس الراحل سليمان فرنجية غير أن المطلب لم يتحقق والتفت في حينه الجبهة اللبنانية حول فرنجية الذي غادر قصر بعبدا ولجأ إلى بلدة الذوق حتى أكمل آخر يوم في ولايته وانعقاد المجلس النيابي لانتخاب الرئيس الياس سركيس.

حتى في أكثر أيام الحرب الأهلية السيئة الذكر سوءاً، لم تنجح ضغوط قائد الجيش في حينه العماد ميشال عون وقائد القوات اللبنانية سمير جعجع في إنهاء عهد الرئيس أمين الجميل قسراً، فأكمل ولايته حتى الليلة الأخيرة التي أصدر خلالها مرسوم تعيين عون رئيساً لحكومة انتقالية مهمتها الوحيدة تأمين انعقاد المجلس النيابي لانتخاب رئيس جديد، فاستولى عون على السلطة ومنع انعقاد المجلس النيابي مرات عديدة حتى كانت ليلة 17 تشرن الأول 1990 التي فرّ بعدها إلى السفارة الفرنسية في بعبدا واستلم الرئيس الراحل الياس الهراوي مقاليد السلطة عقب انتخابه من المجلس النيابي رئيساً بعد اغتيال الرئيس رينيه معوض.

في السياق لا يمكن نسيان الرابع عشر من آذار 2005 عقب اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عندما وقف رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط مجاهراً في ساحة الشهداء بضرورة تحرير مزرعة بعبدا وإنهاء ولاية الرئيس الممدد له إميل لحود، لكن مليونية الشعب اللبناني لم تنجح في إزاحة لحود عن كرسيه لأسباب لن نخوض فيها.

والشعب اليوم يطالب بإنهاء عهد الرئيس ميشال عون، لكن التجارب التاريخية واضحة والحزب التقدمي الاشتراكي الذي يمارس السياسة بواقعية نادرة، يدرك أن السبيل الوحيد لتحقيق هذه الغاية هو عبر المؤسسات الدستورية، لذلك لا ينفك عن المطالبة بإجراء انتخابات نيابية مبكرة عبر قانون انتخابي جديد خارج القيد الطائفي وإنشاء مجلس للشيوخ يراعي التمثيل الملّي ومن ثم انتخاب رئيس جديد يزيح عن صدور اللبنانيين كابوس عهد عون والمآسي التي أنتجها في نصف ولاية.