"البلطجة" في الخطاب والسياسة!

رامي الريّس |

غالباً، لا تنطبق الأوصاف والنعوت الشخصية على الخلافات السياسية إنطلاقاً من قاعدة أساسية أن عناوين الخلاف تتعلق بالقضايا الوطنية والملفات الداخلية وسبل مقاربتها ومعالجتها أو بالسياسة الخارجية وعناصر تكوينها ولا تتصل بالعلاقات الشخصية في السياسي ومعايير الصداقة أو الخصام.

صحيح أن "الكيمياء"، كما يقال، قد تلعب دوراً في التقريب أو التباعد بين الشخصيات السياسية، فتوّلد تفاهماً أو تخاصماً بحسب الظروف السياسية؛ إلا أنها لم تكن يوماً المعيار الأساسي لبناء أو تطوير أو تدمير أي علاقة سياسية بين طرفين أو حزبين أو تيارين.

في لبنان، ثمة معطيات سياسية تاريخية لا يمكن التغاضي عنها أو إدارة الظهر لها، وهي تتعلق تحديداً بطبيعة التركيبة السياسية اللبنانية الداخلية لناحية تعدديتها وطائفيتها ومذهبيتها، إمتداداً إلى شبكات العلاقات الخارجية التي تنسجها الأطراف الداخلية مع القوى الإقليمية والدولية المؤثرة والفاعلة في الساحة المحلية.

وغالباً ما كانت مغامرات بعض الأطراف الداخلية، معطوفة على إرتفاع مستويات التدخل الخارجي، تولد الأزمات والصراعات وبعضها تدهور نحو العنف والنزاعات المسلحة. حصل ذلك سنة 1958، وإنفجر بشكلٍ كبير وغير مسبوق سنة 1975. وكان كمال جنبلاط والحركة الوطنية اللبنانية قد حاولت إنهاء الصراع من خلال إطلاق البرنامج المرحلي للإصلاح السياسي لتلافي الإنزلاق إلى الحرب لكن دون جدوى.

جزء أساسي من المشكلة الراهنة في لبنان يتصل بالقدرة المحدودة لدى بعض الأطراف السياسية لفهم المعادلات اللبنانية، وهذه المحدودية تولد خطاب الحقد والكراهية عبر السعي المتواصل للتفتيش في دفاتر الماضي ونبش القبور واستحضار الأرواح. هي أطراف تعيش على بث روح الفتنة والنفخ في نارها لأنها بكل بساطة تريد خصماً تطلق عليه النار بصورة دائمة لتكرس حضورها الشعبي ولو بطرق ملتوية.

ولكن ثمة سؤال مركزي لا يمكن التغاضي عنه يتصل بالدوافع الحقيقية لهذا السلوك الردىء ويتعلق بالأسباب الحقيقية التي تدفع بعض القوى لإنتهاج خيار الهجوم المتواصل ضد قوى أخرى رغم معرفتها المفترضة أن مغامرات الإلغاء  والتهميش غالباً ما تصل إلى حائط مسدود بأثمان باهظة!

أغلب الظن أن السبب الحقيقي لذلك هو قصور تلك الأطراف عن بناء رؤية سياسية ووطنية ترتكز إلى توسيع مساحات التفاهم مع مكونات المجتمع السياسي بدل البحث المستمر عن سبل تفعيل الاشتباك معها. فتارةً يتم استحضار الحرب ومحطاتها الأليمة، وتارةً أخرى يتم توسل الخطاب المذهبي والطائفي والغرائزي ويُغلّف تحت عناوين براقة، إنما فارغة، كالميثاقية والشراكة والتوازن وتحضيل الحقوق المهدورة وسواها من العناوين.

لقد سعى التيار الوطني الحر منذ ما قبل ولادته نحو هدف واحد، يتيم، لم يعرف سواه، ولم يسعَ سوى لتحقيقه، وحوله كانت تدور حركة الكون والمجرات والنيازك والكواكب ألا وهو وصول مؤسس التيار العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية وخاض في سبيل ذلك الحروب وعقد الاتفاقات: حرب التحرير (1989)، حرب الإلغاء (1990)، رفض إتفاق الطائف، ثم العودة بعد النفي بصفقةٍ مع من قاموا بنفيه، ثم تفاهم مار مخايل (2006)، ولاحقاً إتفاق مع تيار المستقبل وتفاهم معراب (2016)، والهدف واحد: كرسي بعبدا.

ليس مهماً كيف يتم التنصّل لاحقاً من بنود وإلتزامات هذه التفاهمات المتناقضة، المهم أن الهدف تحقق. هذا ما حصل ولكن ما هي النتيجة؟ ثلاث سنواتٍ من العهد إنقضت وأدّت الى دخول لبنان في أسوأ أزمة مالية ونقدية وإقتصادية في تاريخه. صحيح أن العهد قد لا يكون مسؤولاً وحده عن الأزمة، ولكنه مسؤول بشكلٍ أساسي عن مفاقمتها وتسريع الوصول إليها. 

تجربة قطاع الكهرباء الفاشلة (التي ستكررها الحكومة الحالية دون تعديل)، يتحمّل التيار مسؤوليتها أقله منذ عشر سنوات. ولا تزال الذاكرة حيّة عند رفض الوزير السابق جبران باسيل العروض التي قدمتها الصناديق العربية لتوفير تمويل طويل الأجل بفوائد منخفضة لحل مشكلة الكهرباء، فأصر على الحلول الأكثر كلفة والأقل إستدامة أي البواخر!

عودة إلى بدء المقال، لا لشخصنة الخلاف السياسي، ولكن حبذا لو يرتقي بعض رموز التيار في أدائهم وسلوكياتهم كي لا تتحول "البلطجة" في المطاعم  "بلطجة" في السياسة!