نموذج لبناني للتشبيح...

ربيع سرجون |

هناك من لا يُتقن غير لغة التشبيح. وبالذهاب عميقاً إلى مكنونات الشبّيح، تظهر لديه عيوبٌ متعددة يسعى إلى إخفائها خلف فجوره. وفي الرجوع إلى التشخيص العلمي، فالحالة التشبيحية تولد لدى ضعفاء النفوس الذين يعانون في مكبوتاتهم من تناقضات هائلة تصيب تكوينهم الطبيعي، فتنسحب على طبيعتهم الاجتماعية. ومن يسلك طريق التشبيح، غالباً ما يكون منبوذاً في مجتمعه، ومن قِبل محيطه، ولا يقوى على الإصطلاح للتكيّف الاجتماعي، فيصبح قلبه أسوداً، ويزيد غلّه من ضعفه، فيحتمي بفجوره.

 

ومع الأسف، فإن اللبنانيين يتعايشون مع الكثير من هذه النماذج في مختلف المجالات في ظل ثقافة "خالف تعرف"، أو "اصرخ ليسمعك الآخرون". 

منطق المخالفة والصراخ هنا لا يرتبط أبداً بأي مضمونٍ، ونوعيته، وجودته، إنما فقط يرتبط بحاجة هذه النماذج إلى إثبات وجودها. فتخترع أردأ السُبل لتتصوّر اهتمام الآخرين فيها، وتجعل من نفسها محور الكون. والأخطر أن هذه الحالات تصبح نموذجاً يتعمّم في لبنان، ويأخذ طابعاً مؤسّساتياً، عبر جعل مواقع أو مناصب في الدولة تلبس لبوس الفجور، والذي لا يرتكز على غير توجيه الإهانات للآخرين، والتهرّب من المسؤولية، واقتراف الموبقات، وإلقائها على الخصوم، والإعتداء على كرامات الناس، أو التعدّي على العزّل والضعفاء.

 

اعتاد اللبنانيون على كلمة "شبّيح" التي استخدمها ثوّار سوريا في وصف رجال الأمن والعصابات الموالية للنظام السوري الذين يعتدون على المدنيين، والعزّل الخارجين للمطالبة بالحرية والكرامة. لكن معرفة التشبيح كانت تقتصر على فيديوهات، ومقاطع صوتية، أو مكتوبة، عن تصرفات هؤلاء الشبيحة. بينما اليوم يختبرونها بكامل حواسهم، وأمام أعينهم. هم لا يختلفون أبداً عن مؤلّهي بشّار الأسد. فهؤلاء هنا، وباسم الجمهورية ورئيسها، أو باسم المسيحيين، يريدون إهانة الجميع، وعلى رأسهم المسيحيين الآخرين المعارضين لهم، بالإضافة إلى إهانة كل اللبنانيين، واستضعاف المحرومين والمهمشين. 

 

ومع الأسف فإن هذه الثقافة الانحدارية آخذةٌ بالتعمّم في لبنان. وقد قدّم نواب أحد التيارات السياسية في اليومين الفائتين أفضل ما لديهم من فجورٍ وتشبيحٍ لاستفزاز المواطنين اللبنانيين، أو استخدام مواقعهم وعلاقتهم لسحب كتائب من الجيش اللبناني تحميهم وهم يتناولون كؤوس خمرهم.

 

مشكلة هؤلاء أيضاً، أنهم لا يعرفون تاريخهم، أو إذا ما أنكروه وانقلبوا عليه. ولينسوا ما كان بهم من مرض، يتوهمون أن حالة الناس كحالتهم، ستنسى ما كانوا عليه، وماهية انقلاباتهم وأسبابها. فهم الذين كانوا ربائب للعملاء، ويستقوون بالمحتلين على أبناء جلدتهم، لعلّهم يجدون أمكنةً لأنفسهم، وقد وجدوا الأمكنة في مواقع الدولة، ويحاضرون بالوطنية. يدّعون الإيمان بالدولة، ولكنهم يمعنون في تدميرها، وأساساً بمجرّد وجود أمثالهم يكون الجواب وافياً حول انحدار الدور والمجتمعات. وهم السبب الكافي للردّ على الأسئلة المطروحة حول أسباب انهيار منظومة القيم والمؤسّسات اللبنانية.

 

مشكلة هؤلاء الشبّيحة هي أنهم لا يعرفون أن ثمة نهاية شنيعة لتشبيحهم، وعندها سيندمون ويتلون أفعال الندامة، كما تلوها يوم اندحر الاحتلال الذي كانوا يتظللون بظلاله، ويحتمون به. يظنّون أنه بالشتائم تعلو المراتب، وهم لا يقترفون غير صراخ التهديد والوعيد للتعويض عن نقصهم في داخلهم، وإثبات وجودهم، وإدّعاء بطولات وهمية، ومصيبتها أنها تلقى قبولاً لدى بعض الشرائح الاجتماعية المأسورة والمتأثرة بمثل هذه الفقاعات. ولكنهم في النهاية يهربون. يهربون كما هربوا ليل الثلاثاء - الأربعاء بحماية قوات عسكرية، أو يلوذون إلى مياه الصرف غرقاً، بعد اقتراف مساوئهم. ينصرفون في الماء ظناً منهم أنهم ينجون، إلى أن يتفاجأوا بالبقاء غرقى في أسنهم، يلفظهم النهر ولا يستقلبهم البحر، فيطوفون على سطح مياهٍ ملأى بهشاشة هزالتهم.

الآراء الواردة في هذه الصفحة لا تعبّر بالضرورة عن رأي جريدة الأنباء التي لا تتحمل مسؤولية ما تتضمنه