فلسطين... القضية التي لا يمكن التخلّي عنها

مهدي كنعان |

عندما تُطرح القضية الفلسطينية على طاولة البحث من دولةٍ بحجم الولايات المتحدة الأميركية، تتحول أنظار العالم أجمع باتجاه العرب، والإصغاء لما سيصدر عنهم كجامعة، أم كدول منفردة، من مواقف وقرارات. لكن أسوأ الأمور انكفاء بعضهم عن المشهد تماماً، أو التفاعل بمنتهى البلادة والسطحية. ويكاد خطر أن يعيد التاريخ نفسه مع الفلسطينيين، ويُرغَمون على اتفاق لا مصلحة لهم به، ولا ناقة لهم ولا جمل، لا في الإعداد له، ولا في الدعوة إليه، أي كما حصل في اتفاقات أوسلو التي خضع لها الفلسطينيون بعد تخلّي الجزء الأول من العرب عنهم، ثم تحوُّل الجزء الثاني من مفاوضٍ إلى جانبهم إلى مفاوضٍ عليهم.

ولا زالت فلسطين تنتظر من العرب أن يكونوا بحجم الحدث، وبحجم فلسطين مروءةً، وقداسةً، وأن تأتي قراراتهم بحجم تضحيات الشعب الفلسطيني، متجاوزين حدود الرفض والاستنكار، وبلوغ حدود إطلاق الأفكار والطروحات الجديدة، مع التمسّك بالثوابت، واعتبار أن مبادرة "صفقة القرن"، أو غيرها من مبادرات، هي أشبه بالحصى التي تُرمى لتحريك المياه الراكدة، أو أشبه بالكرة (الطابة) التي ينتظرها اللاعبون أن تُرمى على أرض الملعب ليقذف بها كلٌ باتّجاه مرمى الخصم.

ولعل اجتماع وزراء الخارجية العرب، ثم القمة الإسلامية في جدّة، يمثّل انطلاقةً جيّدة، وباعتراف القيادات الفلسطينية نفسها. ولعل الأهم هو دعوة رئيس السلطة محمود عباس لتوحيد الصف الفلسطيني، ثم قوله: "لا يكفي رفض الصفقة، بل علينا إعلان مطاليبنا ورؤيتنا للحل"، لدليلٌ على تهيّب الموقف، وعلى النضج العربي. ولم يبقَ إلّا الثبات على المواقف المشرّفة، وأن يسارع العرب إلى عدّ العدة لحماية مرمى السلطة الفلسطينية المحاصرة على الدوام، وتفكيك عزلتها ودعمها بشتى الوسائل والإمكانات المتاحة، وهي كبيرة، لأن حاجات السلطة كثيرة. وأن يذهبوا كلاعبي الكرة إلى توظيف طاقاتهم وتوزيعها بين فريق دفاع يشرِّح مفاصل المبادرة، ويفنِّد محتواها وكل ما تحمله من إيجابيات، على ندرتها، وما تحمل من سلبيات كثيرة؛ وفريق هجوم يطرح البدائل ويُدخل أفكاراً يمكن من خلالها إعادة التوازن بين مصالح فريقَي النزاع، وهو الأمر المفقود في صفقة القرن، والتي اعتبرها الجميع تؤمّن مصالح العدو على حساب مكتسبات فلسطين؛ فيما المطلوب هو تحقيق المزيد من المكاسب للوصول إلى إمكانية قيام دولة موعودة للفلسطينيين، والتي لن يقوم قائمٌ لحلٍ قبل تحقيقها.

لكن السؤال الأول الذي يفرض نفسه هو: هل أن الدول العربية، التي تتناول الصفقة أراضيها، هي جاهزةٌ فعلاً للتنازل عن تلك المساحات الشاسعة من الأراضي؟

والسؤال الثاني: هل العدو الإسرائيلي لديه القدرة أن يكون شريكاً في التضحية؟ وهل هو قادرٌ على تبادل الأراضي بالحد الأدنى؟ أمّا أن يكون شريكاً فقط لقضم المزيد من الأراضي العربية، وحقوق الشعب الفلسطيني، فهي فعلاً الفضيحة التي ما بعدها فضيحة بحق المبادرة ومطلقيها، وذلك بمعزلٍ عن جدلية الحق من عدمه في قيام دولة، وإن جاءت من الولايات المتحدة الأميركية بإطلاق مبادرةٍ غير متوازنة، وأن تعِدَ بما لا تملك، بل بما يملك الفلسطيني من حقوق.

أما حصر التنازل بالجانب الفلسطيني، وانعدام جهوزية العدو للتنازل، فإن ذلك يعني عدم إمكانية الدخول إلى أي مفاوضات، والخضوع لأي صفقات، وتعثّر صفقة القرن عن الانطلاق. فالتنازل عن مزيدٍ من الأراضي العربية خارج فلسطين لا يجب أن يكون إلّا بالتوازي مع ترتيبات الحل النهائي، وتنازُل العدو الإسرائيلي عن الأراضي التي احتلها العام 1967، كممرٍ إلزامي لهذا الحل النهائي إن وُجِد. إن مثل هذا الإنجاز قادرٌ على إعادة خلط الأوراق، والشروع بالبحث في حدود الدولتين، وتوسُّع كلتاهما باتجاه الأراضي الجديدة التي قد تُضم، وتعطي الفلسطينيين المساحة الجغرافية القابلة للحياة، ويُعطى الإسرائيليون من الأراضي الجديدة نسبةَ ما يتنازلون عنه للفلسطينيين من أراضٍ، وتُبنى لهم مستعمرات بعدد وحجم ما يتنازلون عنه من مستعمرات للفلسطينيين، وتكون القدس مدينة الديانات السماوية الثلاث، وعاصمة الدولتين. وإما أن تُعلنَ فيها كل السفارات، أي سفارات كل الدول، أو أن تبقى السفارات خارجها وهو الأفضل، وتُعلنَ حينها القدس أرضاً منزوعةً من السلاح، ويضمن أمنها المجتمع الدولي.

الآراء الواردة في هذه الصفحة لا تعبّر بالضرورة عن رأي جريدة الأنباء التي لا تتحمل مسؤولية ما تتضمنه.