الهواجس الإسلامية – المسيحية

31 كانون الثاني 2020 20:28:00 - آخر تحديث: 31 كانون الثاني 2020 20:34:18

من ظواهر الطيبة الفطرية عند اللبنانيين سرعة الركوب على "الموجة"، أو ما يمكن تسميته "الإنجبارية"، والتي تماشي الطرف الآخر في لحظة تجلي النسمة الرطبة التي تحمل مسام التفاعُل المُنتجة، والتي تبعث على العطاء، وتحمل مقوّمات الديمومة. والفرادة اللبنانية التي تتمسَّك بمقاربات الترابط، والمُستندة إلى السماحة الإسلامية، والمحبة المسيحية، المترسختين مع الزمن هي ذاتها مصدرٌ لإنتاج القلاقل، ومبعثٌ للشكوك. وغالباً لا تملك هذه الشكوك مبرّرات وجودٍ واقعية، أو غالباً ما يكون مبالغٌ فيها. وهذه الفرادة أيضاً وأيضاً تفرض شكلاً خاصاً من أشكال النماذج التي تصلح للتغني بها أحياناً، كما يمكن أن تتحوَّل إلى أسوأ نماذج التعايش الهش.

لا يمكن التشكيك بتوليفة الوحدة المجتمعية اللبنانية، والتي هي خيارٌ وقدرٌ في آنٍ واحد. فالشعب اللبناني واحدٌ وموحّد وعربي الهوية والانتماء، وهناك عَقدٌ لبناني وطني خالص يحمي هذه الوحدة. ولكن هذه الوحدة الثابتة لم تتمكَّن من إنتاج سياجٍ وطني كافٍ يحميها من الرياح العاتية التي تهبُّ عليها من كل حدبٍ وصوب، وفي مواسم غير مُنتظمة، وهي تؤدي في أحيانٍ كثيرة إلى تكسير الأغصان، ولكنها لم تتمكن ولا مرّة من زعزعة الجذور مهما اشتد عَصفُها. كما أن لوائح القوانين اللبنانية – الدستورية والعادية – تترك أبواباً كثيرةً مشرّعة أمام رياح غير مُريحة. وعلى الضفة الأخرى من نهر التلاقي الوطني، المدعَّم قومياً ووطنياً ودينياً، هناك من يحاول من خارج الحلقة الاستثمار في معجن الخصوصية اللبنانية لتحقيق منافع إقليمية، أو دولية، أو توفير سبُلٍ لتحقيق ربحيةٍ عن طريق التسويق للأفكار، أو للمُنتجات، سيّان. وبالتالي يحمِّل لبنان أكثر مما يستطيع أن يتحمّل في هذا السياق، فتكبوا الرِكَاب تحت الحِمل، وقد يَفسدُ عجين المعجن، ولا يعطي عيشاً رغيداً.

الرؤى اللبنانية التي تُشخِّص الواقع الوطني تحتاج إلى دعائم علمية تعطي لهذه الرؤى فرصة البقاء، أو الاستمرار. ولأن هذه الرؤى غالباً ما ترتكز على مجاملاتٍ وطنية، أو قومية، أو إنسانية، تُنتج ثماراً زاهيةً بالشكل وبالحجم، فإن هذه الثمار مُهددةٌ ببعض "السوس" الخفي الذي قد يُعرِّضها للإهتراء إذا لم يتمَّ التنبُه له، ومعالجته، ومكافحته، في الوقت المناسب، وبالدواء الوطني المناسب.

العقد الاجتماعي اللبناني متماسك، ولكنه مُهددٌ بالإنفراط في آن. والتدعيم كما الترميم ضروريان لهذا العقد ويحتاجان إلى ركائز دستورية تكفل له حصانة ثابتة لا تتأثر بتغيير المزاج السياسي لهذه المجموعة أو تلك، ولا بمدِّ أو بجزرِ الأهواء الحزبية بين الحين والآخر. وبهذا التحصين الدستوري، والمدعَّم بقوانين تطبيقية، يمكن أن نخفي غالبية أشكال الهواجس الإسلامية والمسيحية، لأن التعديلات الدستورية المرجوة يجب أن تستند إلى ترسيخ المواطنة بمواصفاتها العصرية، وبالتالي نسحب أي شكلٍ من أشكال التهديد الوجودي لأي مجموعة، ونخنق كل عوامل انتعاش الهياج الطائفي، أو المذهبي غير المُبرر، والذي يستند على أوهامٍ شعبوية في غالب الأحيان. وهذا الهياج سرعان ما يستعيد إحياء مشاهد الذاكرة الأليمة، ويُخفي أو يتجاهل سجلاً واسعاً من الأريحية، والتعايش، والتعاون، والبنّاء، في الوقت ذاته. تلكُم هي قاعدة ثابتة عند استحضار الغرائز، وعلى الدوام.

إن التوليفة التشريعية اللّا- طائفية قد تكون الخيار الوحيد، أو الأنجع، الذي يحمي استمرارية كيانية الطوائف في خصوصياتها غير السياسية، ومن دون أن يَنتج عن ذلك التشريع اللّا- طائفي عُقَدٌ أو هواجس. وهذه التوليفة يجب أن تحمي المساواة الكاملة بين اللبنانيين في الحقوق وفي الواجبات، وهي التي تُلغي المخاوف التي تتنامى كلّ ما قويَ هذا الطرف أو ذاك، عن طريق زيادة العدد، أو امتلاك السلاح، أو عند التوسُّع بالنفوذ المالي، أو بالاستقواء بحليفٍ خارجي. وبالتالي يحاول صرف عوامل القوة هذه لتوسيع مساحة نفوذه التي غالباً ما تكون على حساب إضعاف الآخرين. كما أن إلغاء هذه الطائفية السياسة يمنع كل أشكال الارتهان السياسي لحسابات شخصية أو طائفية لأيٍ كان، وتصبح معها أي عملية استقواء بالخارج، أو استدعاء لهذا الخارج إلى الحلبة الداخلية شكلٌ من أشكال اللّا- وطنية والتي تُسبّب التشهير بأي من القوى الداخلية التي تعتمد على هذا الخارج. ويحاسِب على هذا الفعل القانون – كما في الدول المتقدمة – وبالتالي يكون الاستقواء بهذا الخارج عامل ضعف لهذا الطرف أو ذاك، بدل أن يكون عامل قوة.

والأصالة الوطنية التي تدفعنا أحياناً إلى نكران التباين الطائفي، بما فيه من تهديد، لا يعني عدم وجود هواجس تخفي حالة خوفٍ من الآخر. هناك مخاوف متنامية بين المجموعات اللبنانية، وقد نكون على أبواب تحولات تتشابه مع تحولات منتصف القرن التاسع عشر، لأن التدخلات الخارجية تتزايد، والفوارق الطبقية تتنامى، وتوجد مبالغات سياسية عند بعض القوى، أو الأشخاص، والتي تُنذر بجنوحٍ غير محسوب النتائج.

هناك مشاعر شبه عارمة عند غالبيةٍ موصوفةٍ خرجت للمطالبة بتغيير النظام من طائفي مبنيٍ على محاصصات وهمية لا تخدم إلّا أصحاب النفوذ، إلى نظامٍ مدني يحمي حرية الاعتقاد الديني، ويرعى ممارسة الطقوس الدينية بأشكالها المتعددة، ولكن في ذات الوقت يفصل إدارة الطوائف عن إدارة الدولة، ويحوِّل المجموعات اللبنانية المكوِّنة للشعب اللبناني إلى مجموعةٍ مجتمعية واحدة هي " الشعب  اللبناني".

ستختفي عندها، قسراً أو طواعيةً، أعراف الفيدرالية الطوائفية في ظل القوانين الوضعية المتماسكة، والتي تحميها مؤسّسات حكومية عامة  يُعاد بناؤها وفقاً لثقافةٍ وطنية تحترم معايير الكفاءة دون أي اعتبارات أخرى. وليعطَ حينها دور ضمانة الحفاظ على الاستقرار الوطني، أو حفظ كيانية الطوائف، إلى سلطةٍ معنوية لها قوّتها الدستورية، ويمكن أن تُسمّى مجلس شيوخ، أو" لويا جيرغا لبنانية"، أو مرجعية مليّة جماعية على شاكلة "مجلس لوردات" تملك افتراضياً ولا تحكم، أي كما هو عليه الحال في دول التاج كضمانٍ لوحدة بريطانيا مثلاً، ومن دون أن تكون هذه المرجعية المليّة على شاكلة حقوق شخصية متوارثة.

ونرى أن غالبية الأحزاب اللبنانية أخفقت في توفير عوامل عدم الخوف من الآخر، بل أن بعضها دخل بقوة إلى حلبة التسابق لإنتاج مخاوف وجودية عند الطرف الآخر.

فلمَ تجاهُل وجود حديثٍ يدور في الكواليس بين الناس، ومفاده أن المسيحيين يخافون من التنامي الديموغرافي الإسلامي والمدعوم بعوامل القوة المسلحة والملاءة المالية. واختفاء التنافس بين مكوّنات المسيحيين المذهبية لا يعني عدم وجود مخاوف تبشيرية على طريقة "المسيحيين الجُدُد"، والتي يُمكن أن تكون بروتستانتية، أو أنغليكانية بنزعةٍ براغماتية أميركية جديدة قد تغامر بمصيرهم عند أول مفترق، أي كما حصل عندما خرجت بعض الأصوات الغربية في سبعينيات القرن الماضي والتي طالبت بترحيلهم في بواخر، توفيراً لحمل همّهم".

وكذلك القول إن المسلمين يخافون من المغامرات المسيحية التي يمكن أن تستخدِم أي اختلال في موازين القوى الدولية والإقليمية لصالح تدعيم كيانية مستقلة تضرب حالة العيش المشترك. والمسلمون السنّة يخافون من تنامي نفوذ المسلمين الشيعة العسكري؛ والشيعة هم أيضاً يخافون من مرارة التهميش التي عاشوها لزمنٍ طويل، وهم اليوم يخشون من اتفاق الجميع ضدهم. وهناك همسٌ في الكواليس الجبلية بأن المسلمين الموحدين الدروز لديهم بالفعل قلقٌ وجودي من الجماد الديموغرافي الذي يصيبهم. وهذا الجماد يُحسب عليهم بالعدّاد، على عكس توقف العدّ بين المسيحيين والمسلمين، وذلك وفقاً لمقاربة أرساها الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وقبِل بها بقية المسلمين. كما أنه لدى الدروز خشية من التهميش الذي قد يصيبهم فيما لو فقدوا السطوة المعنوية النسبية على معقلهم في بعض جبل لبنان من جرّاء عوامل عديدة، وأهمها موضوع بيع الأراضي.

تعالوا إلى كلمة سواء نحمي بها التنوّع الديني الذي يُغني لبنان، ويعطيه تفاضلية حضارية في الواحة العربية والإسلامية الشاسعة، ويُنتج مواطنة سوية تنزع كل عوامل الخوف من الآخر، أو عوامل التمايز عن الآخر. وربما تكون الفرصة التاريخية سانحةً لتحقيق مثل هذا الإنجاز الوطني، لأن بعض مظاهر الإنتفاضة الشعبية التي حصلت بعد 17 تشرين الأول أعطت إشارةً واضحة بأن البيئة المسيحية تقبل بإلغاء الطائفية السياسية، والبيئة الإسلامية تقبل هي أيضاً بالولوج إلى نظامٍ مدني وعلماني.

في كتابة التحليلات أحياناً يوجد شيء من التفاؤل الذي يصعب تحقيقه. لا يهمّ أن نُتّهم بالبُعد عن الواقعية. المهم أن نساهم في تقديم أفكارٍ قد تُفيد، والنسبية في النجاعة قاعدة عامة في كل شيء.

 المقاربة السياسية المعتمدة حالياً قد تكون على فراش الموت، والأجيال الجديدة لا تقبل بإعطائها مقومات الحياة من جديد. لا نستطيع انتظار موتها نهائياً لاختيار البديل الأفضل. ولا بأس أن نختلف بالرأي. المهم أن نصنع توليفة حُكمٍ جديدة تبني دولة قوية ومتماسكة، وتعترف بحقوق متساوية بالعمل من أجل عيشٍ رغيد تُحفظ معه الحرية، والكرامة، والأمن للجميع.
   
(*) محاضرة أُلقيت في ندوة الهواجس الإسلامية – المسيحية التي نظّمها التجمّع الثقافي الجعفري في حارة حريك بتاريخ 22 كانون الثاني.