صفعة القرن

غانم حسن |

تلقت فلسطين الجريحة، وعموم الدول العربية الصامدة والمتصدية والممانعة بملحقاتها وفروعها ووكلائها، صفعة القرن الحادي والعشرين الموجعة، والتي سدّدتها أميركا بالتكافل والتضامن مع العدو الإسرائيلي، حيث لم تواجَه بأي ردٍ من أي نوع لأية جهةٍ أخرى.

سبق وتمثلت صفعة القرن العشرين السابقة بتكريس فلسطين دولة محتلة من قِبَل كيانٍ غاصب، حيث ووجهت آنذاك بوافرٍ من التنظير والمزايدة الخطابية، وبنزرٍ يسير من النضال والمقاومة.
     
ساءت العلاقات العربية - الإيرانية خلال العقود الماضية بوجود محفزٍ دائمٍ لتسعير الصراع المذهبي والسياسي، واستنزاف طاقات الفريقين معاً. كما تصارع العرب مع أنفسهم، وكل ذلك كان خارج حلبة الصراع مع العدو الحقيقي. فتبادلوا الصفعات، واللكمات، والضربات، فيما بينهم، وأصابوا بعضهم بعضاً في مكامن ضعفهم.

أما داخل الحلبة، فانضمّ الخصم والحكم إلى الجمهور الذي كان يتابع المشاهدة من مقاعده في صفوف المتفرجين، ويستمتع بما يجري خارج الحلبة من جولات مصارعة الذات، والتي أثارت نشوته ونالت إعجابه، وشعر بلذة هذه المنازلة التي لاحدود لها، ولا قيود، ولا حكم موجود.

وبذلك اغتنمت أميركا الفرصة السانحة لتوجيه الصفعة التي لم يكن بالمستطاع ردّها بالأيدي المكسرة، رغم السبابات المرتفعة، وحيث كانت الإصابة بالغةً في الجبين الذي كان يُعتبر عالياً لا تطاله الصفعات. فكانت هذه الصفعة تتويجاً ونهايةً لسلسلةٍ من صفعات السنوات والعقود الماضية، وبدايةً لما سيلي في سنوات وعقود قرن لاحق.

عجزت الزنود الضعيفة، والرؤوس المحشوة بالغرائز، والإرادات المجبولة بالجهل، عن ردّ صفعة ساعة من ساعات القرن.
    
فالعرب، تاريخاً وقدرات وأموالاً، وكذلك إيران، تهديداً وممانعةً وسلاحاً، جميعهم أخطأوا التسديد، وتمادوا في تجاهل رؤية الهدف الحقيقي بسبب الإمعان في التحديق عبر المكبّر بالمذهبيات والحساسيات، وجعلوا من أنفسهم هياكل أهدافٍ خشبية نخرتها رصاصات بنادقهم، عدا الرصاص الطائش الذي أصاب الأبرياء، وحمى الأعداء.

أما دول "الطوق"، كمصر والأردن، وخلال نصف قرن فات، فقد نالت الجوائز وكرهت النزال وانكفأت. وسوريا لم تسخّر طلقة واحدة لتوجيهها نحو الهدف الصحيح، وحيث كوفئت في المقابل بجوائز ترضية عديدة كانت إحداها تسخير جيشها، وقدراتها، لفرض ربع قرنٍ من الوصاية على لبنان. ويبدو أن هذه الجائزة نفسها جُيّرت اليوم من أرباب الإصدارات الأممية، إلى إيران لربع قرنٍ آخر من الوصاية على لبنان، والتي بدورها حوّلته من شبه وطنٍ إلى ساحةٍ قاومت إسرائيل من جهة، لكنها من جهة أخرى قامت بتعويم أنظمة، وسدّدت صفعات بالإتجاه المعاكس خارج لبنان، وأخمدت ثورات شعوب تائقةٍ إلى الحرية والعدالة.

حبّذا لربعَي القرنين السالف ذكرهما أعلاه، والمتعلقين بفرض وصايتين، سورية وإيرانية على لبنان، لو استلهما من روحية كتاب "ربع قرن من النضال" لنصرة فلسطين، لكانت أخطأت صفعة القرن هذه، مخرزها القاتل في جسد القضية الفلسطينية.

(*)عميد متقاعد

الآراء الواردة في هذه الصفحة لا تعبّر بالضرورة عن رأي جريدة الأنباء التي لا تتحمل مسؤولية ما تتضمنه.