مصاعب حسابات أردوغان الليبية

29 كانون الثاني 2020 07:56:00 - آخر تحديث: 20 تموز 2020 16:23:22

تبدو الحسابات الحكومية التركية الجديد في ليبيا بعيدة عن الواقع السياسي الدولي، وهي مغامرة تخلق تعقيدات للمشهد الليبي، كما تُنتج مصاعب كبيرة لخريطة التوافقات الدولية والإقليمية، وهي سبب رئيس لتوتر سياسي، وربما أمني في البحر الأبيض المتوسط الذي يعيش على توازنات دقيقة تحفظ استقراره والسلام في محيطه.

إعلان رئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوناكس أمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن اليونان مستعدة للحرب إذا ما تمَّ تنفيذ الاتفاقية التي وقعها الرئيس التركي طيب رجب أردوغان مع رئيس وزراء حكومة الوفاق الليبية فايز السراج مطلع ديسمبر 2019، هو أحد انعكاسات المغامرة التركية، علماً أن برلمان ليبيا رفض المصادقة على الاتفاقية، والسراج لا يملك مشروعية، ولا قوة ميدانية تسمح له بتنفيذ مندرجات الاتفاقية.

تحمل الانفلاشة الأردوغانية الجديدة باتجاه ليبيا مخاطر كبيرة على الصعيدين العربي والدولي، وعلى المستوى الداخلي الليبي. ولولا هذه المغامرة التي دفعت بأعداد من المرتزقة إلى ليبيا للقتال إلى جانب ميليشيات السراج، ومعهم شحنات أسلحة تركية كبيرة؛ لكانت فرص الحل السياسي توافرت أكثر، لأن قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر كادت تنهي التفلُّت الأمني للميليشيات التي يرعاها السراج في العاصمة طرابلس ومحيطها.

الاتفاقيتان اللتان وقعهما أردوغان والسراج في أنقرة ليس لهما مشروعية دولية، ولم تعترف بهما الأمم المتحدة. أولاً لرفض البرلمان الليبي المنتخب الاعتراف بهما، وثانياً لأن الاتفاقيتين تتعارضان مع مبادئ القانون الدولي العام، فالاتفاقية الأولى التي نصَّت على التعاون في التنقيب عن النفط في المناطق البحرية التي تفصل بين تركيا وليبيا مخالفة لقانون البحار، لأن هذه المساحة البحرية الواسعة ليست من المياه الاقتصادية للدولتين فقط، بل تشترك فيها مصالح وسيادة دول مجاورة، منها اليونان وقبرص ومصر. ولأن الاتفاقية الثانية التي تتضمن تقديم مساعدات عسكرية تركية، بما فيها إرسال مقاتلين من المرتزقة، تخالف قرارات مجلس الأمن الدولي التي تحظر إرسال الأسلحة إلى ليبيا، ولا سيما القرار 2420 تاريخ 11/ 6/ 2018.
من المؤكد أن هناك شبه إجماع عربي ودولي يرفض منطلقات التدخُّل التركي في الشؤون الليبية، وهذا التدخل الذي كان سبب فشل اجتماع المصالحة الذي عقد في موسكو منتصف يناير 2020، هو ذاته الذي يخرق المبادئ التي تمَّ الإعلان عنها كمدخل للحل السلمي للأزمة الليبية، والذي أقره مؤتمر برلين، وقد خرقت تركيا الإعلان، لأنها أقرَّت بإرسال عسكريين إلى ليبيا بحجة المساعدة في تدريب قوات حكومة السراج، علماً أن المادة الخامسة من إعلان برلين تتحدَّث بوضوح عن التزام المجتمع الدولي برمته، بما فيه طبعاً الدول المشاركة بالمؤتمر، بعدم إرسال مقاتلين أو أسلحة إلى ليبيا نهائياً، تمهيداً للحل السلمي للأزمة الذي تحدث عنه مؤتمر برلين.
يحاول أردوغان الاستثمار في حالة الفوضى في البيئة العربية، كما يحلم بإعادة أمجاد الإمبراطورية على حساب المصالح العربية، وهو بذلك يقدم خدمات واسعة للذين يعلنون العداء للعرب، وفي المقدمة «إسرائيل».

والتدخلات التركية التي تثير الريبة، تعطي فرصة للميليشيات التخريبية، كما تُعيد إحياء الحركات المناهضة للقومية العربية، بما فيها الحركات التي تعتمد على تعميم الفكر التدميري والإرهابي.

والحسابات الأردوغانية الجديدة التي تستفيد من غياب الموقف العربي، تُشكِّل تهديداً للأمن القومي لأكثر من دولة عربية، ولا سيما مصر. كما أنها تُزعزع الاستقرار في المنطقة برمتها، لأن تعطيل الهدوء في التعاون النفطي وفي مجال نقل الغاز بين دول شرق المتوسط دونه عقبات كبيرة، ولا يمكن لهذه الدول أن تتساهل فيه.

أردوغان يلعب على التناقضات الدولية حول الموقف من ليبيا، خصوصاً التبايُن القائم بين مواقف بعض الدول الأوروبية وبين موقف روسيا التي تدعم الجيش الوطني الليبي الذي يقاتل الميليشيات الحليفة لأردوغان، على الرغم من أن جميع هذه الدول اتفقت على مبادئ مؤتمر برلين للحل السلمي، لكن أردوغان يحاول مساومة روسيا للحصول على تنازلات منها في شمال سوريا.