تداعيات الرأسمالية اللبنانية

د. وليد أبو خير |

بعد انهيار المنظومة الإشتراكية في بداية التسعينيات من القرن الماضي، ازداد تمسّك البورجوازية الرأسمالية اللبنانية بربقة النظام الاقتصادي المحلي؛ محوّلةً إياه إلى نظامٍ ريعيٍ عقيم أُخمدت معه الروح الثورية للعديد من القوى السياسية الحزبية اللبنانية ذات التوجّه اليساري، وبالتالي عبّدت بذلك الطريق، وبعشوائية، أمام أطماع وجشع التجاريين في نظام نيو- ليبرالي أعمى.

ومع بدء بروز الثروة النفطية - كإحدى الموارد الطبيعية الضامنة لمستقبل الأجيال القادمة- ما لبث أن حوّلها النيو- ليبراليون إلى شبه مأساة بدأ يتخبط بتأثيراتها واقع الاقتصاد اللبناني، متّجها نحو ضياع منافعها المستقبلية. وقد أدركت القوى السياسية ذات التوجّه الرأسمالي وباستنادها إلى تحليلات خبراء وجهاتٍ اقتصادية تابعين لها في توقعاتهم؛ حجم النتائج الإقتصادية المبكرة في المستقبل القريب لهذا القطاع. فأمعنت هذه القوى فساداً في إظهار جشعها اللاهث وراء الربحية، وبالتالي استَبَقت المنتَظر من نتائج هذه الثروة، وعمدت إلى تغيير في حساباتها، وإلى إعادة تموضع في هيكلة بعض الإدارات العامة، وعلى مقاسها.

ومن مشاحة القول، إن البعض أدرك التخاذل الداخلي لأصحاب القرار السياسي في صناعة اقتصادٍ مؤهّل سياسياً بحسب توجهاتهم، أو في وضعهم خطوطاً عريضة لسياسة اقتصادية تعيد بها تجديدها للبنية الطوائفية في مفاصل إدارات الدولة. فأخضعت المجتمع اللبناني لنتائج صراعاتها تلك، بحيث رمت بشريحةٍ من المجتمع بين أحضان البطالة، وأسكنت الباقي مطولاً وسط تخلّف اقتصادي، وبالتالي قادت هذا المجتمع إلى حوافي الفقر، وإلى أعتى درجات الجهل، المطبقَين نتيجة التبعية الطائفية، فأردت بالاقتصاد اللبناني شهيداً.

ولا ضير من الاعتراف والتسليم بأن المعضلة الأساسية في لبنان هي في الهندسات المالية والاقتصادية، والتي بُنيت على أساس المحافظة على تراث الرأسمالية السياسية منذ عقود. ومن هنا ما يوضح أن الاقتصاد استُخدم لديمومة هذه الطبقة في الحكم، فيما ضربت بنية الاقتصاد تحت شعار ما عُرف بالحرية الاقتصادية.

ومما لا شك فيه أن الممارسات المتعمّدة للرأسمالية اللبنانية قد أدّت إلى طلاق صارخٍ بين الطبقة الشعبية الكادحة من جهة، وبين الطبقة البورجوازية المتجدّدة من جهة أخرى، فولّدت انتفاضة شعبية ظهرت مفاعيلها في السابع عشر من أكتوبر، وغيّرت ومع انطلاقتها الأولى الوجهة السياسية للرأسمالية. وكأن المشهد اتّجه نحو تحوّل لمفهوم عِلم "الاقتصاد السياسي" كنظريةٍ وتطبيق كونه عِلم "اقتصاد الرأسمالية"، كما محاولات البورجوازية الحاكمة، وإمعانها لإسقاط العرش الاقتصادي اللبناني من خلال التبشير والتهويل بمجرد مرور أسابيع قليلة على الانتفاضة.

وفي وسط هذا الجو الاجتماعي والاقتصادي، يحوم الحديث حول الانتظار على مفترق للدخول إلى الجمهورية الثالثة، بعد فشل الحكومات المتعاقبة في الجمهوريات السابقة، حين تخطّت المعايير والأسس الدستورية في أسلوب الحكم، ما أدّى بالتالي إلى انتزاع الشعب ثقته الكاملة منها، وحينما لم يلتمس أيضاً، وعلى المديَين المتوسط والطويل، أي تطوّر جذري في اقتصاده المحلي، إنما شهد تحولات في نظام الاقتصاد الكلي Macro Economic اللبناني، من خلال التراخي في أداء المالية العامة نتيجة التذبذبات في السياسات النقدية والاقتصادية، والتي ظهرت دلالاتها السلبية من خلال التعاملات ما بين القطاع المصرفي والمتعاملين معه. كما وسقوط القناع عن وجه المنظومة الصيرفية التي أمعنت في احتلالها ملعب العملة الخضراء متخطيةً بذلك قواعد الأمن الاقتصادي الإاجتماعي، لتعلو الأصوات داعيةً إلى إسقاط حكم المصرف.

وأمام مشهدية الحكومة الجديدة - والتي تشهد معارضات شتى خارجية، أميركية وأوروبية، وداخلية، إنْ من قِبل الانتفاضة الشعبية، أو من جهة بعض الأحزاب التي اعتكفت عن المشاركة فيها - ما يجيز طرح التساؤلات حول بداية مرحلة انهيار النظام الليبرالي في لبنان! خصوصاً ما تشهده الساحة العالمية من تعثرات للرأسمالية. وهل، فيما لو حصل الانتقال إلى عصر الجمهورية الثالثة، ما يحتّم تغيّراً في النظام الاقتصادي، إلى نظامٍ أقرب إلى النيو- اشتراكية مستفيداً من أخطاء السابق! 

 

الآراء الواردة في هذه الصفحة لا تعبّر بالضرورة عن رأي جريدة الأنباء التي لا تتحمل مسؤولية ما تتضمنه.