صدامات السراي الكبير

د. قصي الحسين |

 يوم انتهى المهندسون، والفَعَلة، وعمال البناء والترميم، من إنهاء الأشغال والتأهيل في السراي العثماني الكبير في رياض الصلح، فوق اللعازرية، وساحة الشهداء، والنهار، وساحة التسامح، وساحة سمير قصير، في عهد الرئيس رفيق الحريري، وقف اللبنانيون ليقرأوا فوق باب السراي: "لو دامت لغيرك، لما وصلت إليك".
  أراد الشهيد رفيق الحريري أن يلفت إلى الرمال المتحركة، وإلى رياح الملك الضلّيل، الشاعر إمرئ القيس، حين قال: 
 قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل/ بسقط اللوى بين الدخول فحومل/ فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها/ لما نسجته من جنوب وشمأل.
 وفجأة، في الرابع عشر من شهر شباط، العام 2005، هبّت العاصفة وتحركت الرمال، شمالاً وجنوباً، وهوى عملاق الإعمار في لبنان، ولفّ الحزن السراي، ودمعت الحروف التي نُقشت فوق الباب الكبير، وغاب الباني، وغرق المبنى في الرمال. فأنبتت الساحات كلها هناك، وكذا جميع السكك والدروب والشوارع والطرقات، مليونية الأعلام اللبنانية، وأرزها العظيم، وتكوكبت ثورة الأرز، وانصرفت إلى فجرٍ جديد.
  ومنذ ذلك التاريخ، وحتى اليوم، ولبنان يموج من أقصاه إلى أقصاه، كل عام. والرياح تضرب رماله بقوة، وتهادنه عند ثورات الغضب.
 وما حدث مساء الخامس والعشرين من شهر كانون الأول 2020، كان بحجم زلزال العام 2005. صعد الثوار للدفاع عن السراي. شعروا أن الرياح القوية تهزّها من أركانها. وشعروا أن الرمال تحت لبنان تجرفها خراطيم المياه. وأن العواصف كلها اجتمعت عليه. تهزّه. تضربه. تقصفه. تهدّده بالويل والثبور وعظائم الأمور. وأن جدران السراي ضاقت أنفاسها بدخان القنابل، وبالغازات المسيلة للدموع. فما هابوا الجدران العالية. ولا السقوف العالية، ولا الخطب العالية. ولا التهاويل العالية. خافوا فقط، شيئاً واحداً: أن يهوي سراي الأرز، ويهوي لبنان.
  كانت أمواج الثوار تتعالى حول السراي الكبير، لأنها شعرت لأول مرة بالخطر الكبير. كانت سواعدهم تجدل التصميم والإرادة والعزيمة. فلا يسقط من الداخل، كما لم يسقط في تاريخه من الخارج.
 كانت موجة من الصبايا و الشباب، تقول لموجةٍ من الصبايا والشباب، "لن يستطيع أحد في الكون أن يُسقط السراي من الداخل. أن يُسقط حصن الأرز من الداخل.
 وكانت العاصفة تشتد. وكانت العزائم تشتد. وكانت صدامات السراي تقول لا. وكانت عزائم الرجال تقول لا. وكانت إرادة الثوار تقول لا.
  وحول جدران السراي، كان اللبنانيون يروون الأرز بالماء والدماء والدموع، ويقولون لا. فقلاعنا عصيّة على السقوط من الداخل، مهما تغوّل المتغوّلون، ومهما طغى الطاغون.
 تعوّد اللبنانيون على تغيُّر اتجاهات الرياح التي تضرب رمال لبنان. وأعدوا هذة المرة لكل وجهٍ وجهه. 
 كانت أيقونة الطفولة، تطوف حوله في مدافع المياه. تلوح بالعلم، وتكتب أسطورة النمو والثبات، عند جدران السراي، على أرض لبنان.
 كانت أيقونة الطفولة، وجه بيروت الطفل، تعويذة الموت والقهر والجبروت. 
 كانت أيقونة الطفولة تطوح خراطيم المياه، في صدامات السراي، وتكتب مجد بيروت. فبيروت لا تسقط ولا تموت.

الآراء الواردة في هذه الصفحة لا تعبّر بالضرورة عن رأي جريدة الأنباء التي لا تتحمل مسؤولية ما تتضمنه