دول الجوار الليبي تتمسك بالحل السياسي

26 كانون الثاني 2020 12:00:00 - آخر تحديث: 26 كانون الثاني 2020 19:24:57

حطّت الأزمة الليبية على طاولة "دول الجوار" في العاصمة الجزائرية بمبادرةٍ من الرئيس عبد المجيد تبون، يوم الخميس الفائت، بهدف "انتزاع الملف الليبي من قوى أجنبية، ووضعِه بين أيدي دول المنطقة"، وذلك بعد يومين من مؤتمر برلين الذي استضافته المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل، بحضور رؤساء ووزراء خارجية بعض الدول الأوروبية والعربية، إضافةً إلى الرئيسين الروسي والتركي، وأمين عام الأمم المتحدة، ووزير الخارجية الأميركي الذي أحال مقرّراته إلى طاولة مجلس الأمن الدولي، وذلك نتيجة عجز الأطراف المشارِكة في المؤتمر عن الاتفاق على آليةٍ كاملةٍ للحل السياسي، مكتفين بتشكيل لجنة عسكرية من المتقاتلين لمراقبة وقف إطلاق النار الهش الذي أعلنه الطرفان بمسعى روسي – تركي في 12 كانون الثاني الجاري.
 
الملف الليبي؛ الذي كان مادة حوار غير مباشر بين طرفي النزاع، قائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر، ورئيس حكومة الوفاق فايز السراج في موسكو الأحد الفائت، وقبل أيام من مؤتمر برلين بدعوةٍ من الرئيسين الروسي والتركي؛ مرجّح إلى مزيد من التوتر والتصعيد، بعد أن بات يهدد الأمن والسلام الدوليين، ولا سيّما دول حوض المتوسط الأفريقي – الأوروبي – العربي. فالمعارك العسكرية المحتدمة بين قوات حفتر، وقوات حكومة السراج، والتي اندلعت في نيسان 2019، وأدّت إلى استقطاب الدعم الخارجي لكلَي الطرفين، ومنها توقيع مذكرات التفاهم التركية مع حكومة السراج، والتي تمنح تركيا فرصة نشر قواتها العسكرية على الأراضي الليبية، وفي المياه الإقليمية الليبية.

التدخل التركي لإنقاذ حكومة السراج المهدّدة بالسقوط أمام تقدّم قوات الجيش الليبي المدعوم من مصر، والإمارات، والميليشيات الروسية، أثار قلق الدول الأوروبية من جهة، ودول الجوار الليبي من جهة أخرى، سيّما وأن طموحات تركيا تتجاوز حماية السرّاج إلى الأطماع الاستثمارية في نفط وغاز البحر المتوسط. وهذا ما يضع تركيا في مواجهة مباشرة مع الدول الأوروبية وجمهورية مصر العربية، والتي وقّعت مع اليونان وقبرص اتفاق تعاون لنقل الغاز المصري إلى أوروبا.
 
وفيما عرضت كل من روسيا وألمانيا والجزائر نفسها للتوسّط في حل النزاع الليبي، تتنافس مصر وتركيا على استقطاب التأييد الدولي لا سيّما دول الجوار الليبي، وإقناعها بوجهة نظرها للحل الذي يضمن لكل دولةٍ منهما مصالحها الخاصة.

فالموقف المصري الذي عبّر عنه وزير الخارجية سامح شكري في اجتماع الجزائر، "يرفض التدخل الأجنبي في ليبيا، ويتمسّك بالحل السياسي والحوار الداخلي بين جميع شرائح المجتمع". وتدفع مصر لتحقيق ذلك من خلال العمل على إنشاء محور إقليمي من الدول والقوى المعنية بالشأن الليبي يوفّر قوة ضغط داخلية وإقليمية تحد من التدخلات الخارجية، لا سيّما التركية، وتبعد شبح الحكومة الإخوانية عن حدودها. وكانت القاهرة استضافت قبل أيام اجتماعاً حول الملف الليبي ضمّ عدداً من الدول الأوروبية والعربية باستثناء الجزائر وتونس.
 
في السياق عينه، وعلى خط بناء محور آخر، حطّ الرئيس التركي في العاصمة الجزائرية الأحد، "تلبيةً لدعوة الرئيس تبون، وذلك لإجراء محادثاتٍ حول سُبل تدعيم الروابط القائمة بين البلدين الشقيقين، وتوسيع مجالات التعاون، والتشاور حول قضايا دولية ذات الاهتمام المشترك، ومنها الملف الليبي".

ومن المتوقع إعلان الرئيسين التركي والجزائري الاتفاق على تفعيل الشراكة الاستراتيجية بينهما، بالرغم من عدم قبول الجزائر التعاون العسكري مع تركيا في ليبيا، أو السماح لها باستخدام أراضيها، أو مياهها الدولية لذلك.

مصادر جزائرية مطلعة كشفت لـ "الأنباء" أن "الاتفاق الجزائري – التركي، يهدف إلى التقليل من جدوى التدخل العسكري التركي في ليبيا، وهو ما اصطلح على تسميته "العقلنة الجزائرية للسلوك الاستراتيجي التركي، لكون حسابات الواقع الاستراتيجي تقتضي ضبط النفس أكثر من إظهار اصطفاف الجزائر مع أحد المعسكرين".

وتوضح المصادر أن الجزائر تتفق مع تركيا حول شرعية حكومة السرّاج، لكن علاقتها التاريخية والاستراتيجية مع موسكو تمكّنها من العمل مع شريكها الروسي للضغط على المشير حفتر، لضمان توازن القوى بين الطرفين على أرض الواقع".

ورأت المصادر أن "استضافة اجتماع دول الجوار الليبي بعد أيام من مؤتمر برلين، هو لتفعيل دور دول الجوار في دعم مقررات برلين وليس لمنافسته، أو منافسة أي مبادرةٍ أخرى. فالجزائر لا ترغب الدخول في سياسة المحاور حول ليبيا إنما الحفاظ على موقعها الوسطي بين جميع الأطراف، وذلك بهدف الذهاب نحو حوارٍ جاد بين الفرقاء الليبيين". وقالت المصادر إن لقاء الجزائر "يضيف لمؤتمر برلين من حيث تحديد الأهداف عبر ثلاثة محاور تتعلق بالتزام دول الجوار رفض التدخل العسكري، رسمَ الخطوات اللازمة لبعث ديناميكية الحل، وتحويل اتفاق برلين إلى خارطة طريق تشارك فيها دول الجوار من خلال الضغط على أطراف الأزمة للقبول بالحل السياسي".

وكانت دول الجوار الليبي قد دعت الأمم المتحدة خلال اجتماعها في الجزائر إلى فرض تطبيق حظر تصدير الأسلحة إلى ليبيا، مؤكدةً في بيانها أن، "حل الأزمة في هذا البلد يجب أن يكون سياسياً، وبين الليبيين أنفسهم".

وقال وزير الشؤون الخارجية الجزائري، صبري بوقادوم، في مؤتمر صحافي عقب الاجتماع الذي حضره وزراء خارجية الجزائر، وتونس، ومصر، والسودان، وتشاد، والنيجر إلى جانب وزيرَي خارجية ألمانيا ومالي، إن "المجتمعين اتفقوا على أنه لا حلّ للأزمة الليبية إلّا الحل السياسي الليبي - الليبي برعاية المجتمع الدولي". وأشار إلى أنه، "تم الاتفاق على ضرورة احترام ليبيا كدولة واحدة موحدة كاملة السيادة، إلى جانب قبول شرعية السلطات التي يقبل بها الليبيون".

كما أكّد البيان "رفض التدخل الأجنبي، وضرورة حظر الأسلحة، ومنع تدفقها إلى التراب الليبي"، وكذلك الاتفاق على "ضرورة استئناف العمل مع دول الجوار الليبي، وإشراك الاتحاد الأفريقي في هذه المبادرة"، مع مواصلة التشاور والتنسيق من أجل إبلاغ موقف دول الجوار للمجتمع الدولي.

وفيما تتجّه الأنظار إلى جنيف وترقّب ما ستخرج به اجتماعات اللجنة العسكرية (5+5)، والتي اتُّفق على تشكيلها في برلين لمراقبة وقف إطلاق النار، أبدى مراقبون مهتمون بالأزمة الليبية، تشاؤماً حيال قدرة وزراء خارجية دول "الجوار الليبي" في إقناع طرفَي الصراع بالحوار، وحيث بات واضحاً أن الهدف من مبادرة اللقاء محاولة "انتزاع الملف الليبي" من قوى أجنبية، ووضعه بين أيدي دول المنطقة التي تخشى من تداعيات الأزمة على أمنها الداخلي.