الموازنة العامة وتصريف الأعمال!

فريد محمود |

رأى رئيس مجلس النواب نبيه بري أنه من الضروري أن تلتئم الحكومة الحالية وتنجز مشروع الموازنة وأن تحيله إلى مجلس النواب لإقراره.

على أثر ذلك أثير في لبنان جدل حول ما إذا كان للحكومة الإقدام على هكذا خطوة باعتبارها مستقيلة؟ رأى البعض أن نص المادة 64 من الدستور اللبناني لا تجيز للحكومة إعداد مشروع الموازنة وإحالتها، لأن المادة المذكورة لا تجيز للحكومة تصريف الأعمال إلا بالمعنى الضيّق.

صحيح أن نص المادة 64 أعطى المعنى الضيق لتصريف الأعمال، إنما هل إقرار الموازنة هو خارج المعنى الضيق لتصريف الأعمال؟ ثم هل يجوز أن نكتفي بنص فقرة واحدة من مواد الدستور لكي نصل إلى حكم مطلق على مسألة بهذه الأهمية؟

تنص الفقرة الأولى من المادة 86 من الدستور اللبناني، الذي لا يزال نافذاً بحسب ما نعلم، على:
"إذا لم يبتّ مجلس النواب نهائياً في شأن مشروع الموازنة قبل الانتهاء من العقد المعيّن لدرسه فرئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة يدعو المجلس فوراً لعقد استثنائي يستمر لغاية نهاية كانون الثاني لمتابعة درس الموازنة. وإذا انقضى العقد الاستثنائي هذا ولم يبت نهائياً في مشروع الموازنة فلمجلس الوزراء أن يتخذ قراراً، يصدر بناء عليه عن رئيس الجمهورية، مرسوم يجعل بموجبه المشروع بالشكل الذي تقدم به إلى المجلس مرعياً ومعمولاً به. ولا يجوز لمجلس الوزراء أن يستعمل هذا الحق إلا إذا كان مشروع الموازنة قد طرح على المجلس قبل بداية عقده بخمسة عشر يوماً على الأقل".

وبحسب المادة 32 من الدستور عينه، يعتبر العقد المعيّن لدرس مشروع الموازنة الفترة الزمنية الممتدة من يوم الثلاثاء الذي يلي 15 شهر تشرين الأول إلى آخر السنة. بل إن المادة المذكورة نصت بشكل واضح جداً على تخصيص هذا العقد للبحث في الموازنة والتصويت عليها قبل أي عمل آخر. 

نص المادتين واضح بلا أي لبس بضرورة الانتهاء من درس الموازنة قبل نهاية السنة واستثنائياً قبل نهاية شهر كانون الثاني، بحيث إن المادة 86 ألزمت رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة فتح عقد استثنائي فوراً يمتد لشهر واحد فقط كي ينهي مجلس النواب إقرار مشروع الموازنة، لا بل ذهب أبعد من ذلك، فرغم أن نص المادتين 81 و82 قرر عدم جواز فرض أي ضريبة وتعديلها وإلغائها إلا بقانون، إنما المادة 86، ولأهمية الموازنة، فرضت على السلطة التنفيذية إصدار الموازنة بمرسوم إذا لم يتمكن مجلس النواب من إقرارها قبل نهاية شهر كانون الثاني (بالطبع المجلس النيابي ملزم بإقرار الموازنة في المواعيد المذكورة إذا التزمت الحكومة نص المادة 83 من الدستور وأحالت مشروع الموازنة في بداية العقد في تشرين الأول).

إعداد الموازنة يأتي في أول سلم تصريف الأعمال الضرورية وبمعناها الضيق، حيث كيف يمكن لدولة أن تنفق من غير هدى ولا ضوابط ولا معايير؟ سيما وأن الفقرة الثانية من المادة 86 نصت بشكل واضح على أن القاعدة الاثني عشرية تطبق خلال العقد الاستثنائي المذكور، أي خلال شهر كانون الثاني فقط، حيث نصت: "على أنه في مدة العقد الاستثنائي المذكور تجبى الضرائب والتكاليف والرسوم والمكوس والعائدات الأخرى كما في السابق وتؤخذ ميزانية السنة السابقة أساساً ويضاف اليها ما فتح بها من الاعتمادات الاضافية الدائمة ويحذف منها ما أسقط من الاعتمادات الدائمة وتأخذ الحكومة نفقات شهر كانون الثاني من السنة الجديدة على القاعدة الاثني عشرية".

أبعد من ذلك، إن الموازنة، وبحسب نصوص الدستور، استحقاق دستوري لا يجوز التلاعب بمهله، خاصة أن الدستور رتب نتائج هامة على عدم إقرارها حتى وصلت هذه النصوص في الفقرة 4 من المادة 65 إلى إعطاء السلطة التنفيذية حق حل مجلس النواب، المنتخب من الشعب اللبناني، اذا رد الموازنة برمتها بعد شل يد الحكومة عن العمل.

السادة الكرام الذين اعتبروا أن اقتراح رئيس مجلس النواب مخالف للدستور، دستورياً لا يجوز تفسير مادة بمعزل عن بقية مواد القانون، عملياً لو أن الموازنة ليست من الأعمال الضرورية وبالمعنى الضيق لما حصل التسيّب في البلاد وفي مال العباد، ولما صرح اليوم وزير المالية بضرورة اعادة هيكلة وجدولة الدين، ولما وصل أصلاً مستوى الدين إلى هذه الخطورة على المالية العامة نتيجة تعطيل إقرار الموازنة لسنوات تحت شعارات من هنا وأخرى من هناك.