قطار التشكيل

د. قصي الحسين |

من جعبة الذكريات المدرسية، درس القراءة العربية. أذكر أن رفاقي وأنا، أعني: غرفة صف المدرسة في السنة الثالثة  الإبتدائية، ماجت وهاجت وإستغرقت في الضحك كثيرًا، لأكثر من الوقت المتبقي، لحصة الدرس، عندما كنا نتابع مدرّسنا المربي عبد اللطيف الأفيوني (مدير عام تعاونية موظفي الدولة فيما بعد)، وهو يقرأ على مسامعنا درس القراءة، في قبو الخيل في مشتى حسن، وعنوانه: "ذهب القطار يا أبي".

وملخّص قصة الدرس، أن الأب إمتحن ولده، ذات يوم، وهو يعلمه الرسم، منذ أشهر، إن كان تعلم أن يرسم القطار، بعد طول معاناة معه. فأجابه ولده على الفور: هذا الموضوع سهل وبسيط، وقد تمرنت عليه كثيرًا يا أبي. فقال له الأب: أرني كيف تفعل. فما كان من الولد إلا أن رسم خطين متوازيين. وقطعهما إلى مربعات شبه متساوية، وإلتفت إلى أبيه وقال: هاكه يا أبي. فقال له أبوه: هذة سكة القطار، فأين القطار؟ فأجابه ولده على الفور: ذهب القطار يا أبي"...

 تذكرت هذة القصة، حين رُشح وسمي الدكتور حسان دياب، الأستاذ الجامعي الأكاديمي،  رئيسا مكلفاً لتشكيل الحكومة، من أكثرية أعضاء المجلس النيابي، ومن ثم، من فخامة رئيس الجمهورية. وخلَت الورقة له، وأهله شهود حوله، ينتظرون رسم "قطار التأليف". وهو يروح ويجيء. يدور على الذين سموه رئيسا مكلفا لتشكيل الحكومة، وهو وهُم من البيت الواحد، ومن اللون الواحد، ومن الجهة الواحدة. ولا حيلة له.

وكلما أقدم أحجموا، وكلما أحجم أقدموا. يشترطون عليه، ويشترط عليهم. يسمي لهم ويسمون له. يقدم لهم الحصص من الوزارات، فينتزعون من بين يديه وزارات أخرى حصصا لهم. يسألونه عن قطار التأليف، فيلوح لهم بورقة التكليف.
والتكليف، سكة مهجورة. هجرها سعد وهجرها مسعود، وهجرها سعد السعود. بل هجرها محمود وهجرها معروف، وهجرها إلياس، وهجرها حسين.

يقف الرئيس المكلف، الدكتور حسان دياب، في أرض مسبعة، في يوم مسغبة، فتتكاثر عليه الكواسر والجوارح، فينظر وينتظر، لعله يأتي الخريت من جهة ما، من كوكب ما، من أرض ما، من عاصمة ما. من جهة شقيق أو من جهة صديق. حتى ولو كان الخريت ب"وجه جميل".
 
يرسم على ورقة التكليف، الحظ العاثر بل العائر بالتأليف. يحدق في السكة، فلا يرى فيها، الخيط الأبيض ولا الخيط الأسود.
سكة عتيقة مهجورة منحوسة منكودة، عف عليها الزمن.  والناس يحتربون حولها. ينتظرون الطرائد والفرائس. والقناصون كثيرون: من بيت أبيه. ومن أهله ومن الأعداء ومن الأصدقاء ومن الأشقاء. واللبنانيون الثائرون، إقتلعت عيونهم، بمخارز الجلاوزة، فهم لا يحتملون، أن يقولوا لهم: "ما أحلى الكحل في عيونكم"، في "طوب ريا".

والناس يسألون الرئيس المكلف كقائف حتى اليوم، صباح مساء، وهم يحدقون في خراب البصرة: أين قطار التأليف. فيرد الثائرون: "نسمع جعجعة ولا نرى طحينا"، ولا يرد الرئيس المكلف.
 القائف، لا يزال ينتظر. يحدق في الغسق فلا يرى الشفق.. يسبح في التيه. يستغرق في الأوراق والأقلام. يقرأ الخطوط في راحتيه: خط الرقعة وخط النسخ. وكذلك الخط الأندلسي، والخط الفارسي والخط الكوفي. فما بالك بالخط المهمل والخط المنقط... ولا يستطيع  فك الألغاز في الحبر السري. 

سكة التأليف، حرون. وهي غير سكة التكليف. والقائف فيها، يتلمس جنبيه، يتحسس القيادة. فمتى يكون القائد.

ونعود إلى تغريبة بني هلال لنقول للرئيس المكلف: هذه سكة التأليف، فمتى يأتي القطار. قطار التأليف.
 ونردد مع الزناتي، كما في التغريبة: "بعدك عن تمنها يا دياب بعيد".

الآراء الواردة في هذه الصفحة لا تعبّر بالضرورة عن رأي جريدة الأنباء التي لا تتحمل مسؤولية ما تتضمنه.