عصرنة الديمقراطية

يفرض تطور علم الاجتماع المعطوف على التطور الهائل لتكنولوجيا المعلومات اعتماد أنماط واقعية للتعامل مع تحديات العصر، أو تحديثها، ذلك أن المُحددات التي واكب بها العالم تحولات سياسية وديموغرافية واقتصادية وأمنية ماضية؛ لم تعُد هي ذاتها المحددات التي يجب أن يعتمدها الواقع الراهن لتطور حركة الشعوب، وقد لا يصلُح معظمها لمواكبة التغييرات الهائلة التي يشهدها عالم اليوم.

مما لا شك فيه أن ثورات مهمة وعديدة حصلت في العالم أغنت حياة البشرية بمفاهيم جديدة تتعلَّق باحترام حقوق الإنسان السياسية والحياتية، وفي ترسيخ اعتبار هذا الإنسان جزءاً من التوليفة البشرية للمسار العالمي. وأغلبية هذه المفاهيم خدمت الإنسانية، وأسهمت في تطوير الآليات التي كانت مُعتمدة لإنتاج الفئات التي يُناط بها إدارة الدولة، بعد أن أصبحت هذه الدولة واقعاً سيادياً ثابتاً منذ ما يقارب 400 عام، إلى أن وصل الأمر إلى حد اعتماد نتاج استطلاع آراء الناس قاعدة ثابته لترسيخ مشروعية الحاكمين، سواء كان هذا الاستطلاع يأتي بواسطة قاعدة الرضى، أو عن طريق مفاهيم الديمقراطية الحديثة، أي بواسطة صناديق الاقتراع التي تفرز نتاج الانتخاب، أو الانتقاء للفئات الحاكمة من بين مجموعة من المرشحين أو الطامحين.

وقد وصل الحق بالانتخاب إلى عموم الناس بعد أن كان محصوراً بفئة معينة لها خصوصيات طبقية أو عائلية أو جنسية أو صاحبة قدرات مالية، أقله منذ عام 1948 عندما أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي وحَّد معايير المساواة بين الناس مهما كان انتماؤهم العرقي أو القومي أو الديني.

لا يمكن تجاهل تأثير وسائل الدعاية العصرية في تحديد نتاج الإرادة الشعبية، أو في الديمقراطية المعاصرة. وكما كان لوسائل التواصل الحديثة تأثير إيجابي في توضيح بعض الحقائق السياسية أو الاقتصادية أو حتى الاجتماعية؛ كان لهذه الوسائل أثر أكبر في تغيير الصورة للمشهد عن طريق الدبلجة الفكرية التي تطورت هي أيضاً على شاكلة واسعة، وغالباً ما تكون الدبلجة فعل تركيب أوهام، أو توصيل حلقات هي بالأساس ليست متواصلة.

وإذا كان مفهوم الديمقراطية ثابتاً لناحية كونها وسيلة لاحترام الرأي الآخر، وطريقة مُثلى لاعتماد خيار الأكثرية واحترام المواطنة؛ فإن شوائب متعددة دخلت عليها، وأصابت جسمها المتهالك ببعض الوهن، وهو ما فرض على هذه الديمقراطية البحث بجد عن سُبل جديدة تؤمن لها مقومات الاستمرار كمفهوم ثابت لتحديد مبايعات الشعوب وخياراتها.

تتعرَّض الديمقراطية لهجمة شرسة في العديد من الدول، وقد أصبحت في بعض الأماكن وسيلة لإعطاء مشروعية لبرامج تعتمد أوهاماً فكرية هدفها تحقيق مصالح شعبوية، أو أنها تستند إلى ميثولوجيا دينية غير واقعية لتسويق مشاريع توسعية. ولا تقتصر الهجمات المشوِّهة للمبدأ الديمقراطي على دول حديثة في اعتماد هذه المقاربة، بل إن التشويه يُصيب الديمقراطية في الدول التي تعتبر نفسها حامية لهذه الديمقراطية، أو أنها بلد المنشأ بالنسبة لها.

ويمكن إدراج مجموعة من الأمثلة على التشوهات التي تستهدف المقاربة الديمقراطية، منها على سبيل المثال في تحشيد الناس عن طريق القوة في الساحات بمناسباتٍ دينية أو اجتماعية أو وطنية، لإبراز مدى التأييد الشعبي للفئة الحاكمة، وفي افتعال أحداث ومشكلات جانبية قد تؤثر في توجهات الرأي العام قبل أو إبان إجراء العملية الانتخابية، علماً أن القادرين على إحداث مثل هذه المشكلات - كالضربات العسكرية أو عمليات الاغتيال أو الاضطراب المالي - هم ذاتهم المرشحون للمناصب القيادية، أو الذين يتحكمون في مفاصل قوة الدولة.

وعلى ضفة أُخرى مشابهة؛ فإن تشويهاً متعمداً للديمقراطية يحصل عن طريق التأثير بمشاعر الرأي العام، من خلال الفبركات الدعائية الهائلة، التي تستهدف أحياناً تشويه التاريخ، أو طمس الحقائق الجيوسياسية، أو قلب الوقائع الموضوعية من دون أي ضوابط مرجعية يمكن للقانون أن يتعامل معها وفقاً للأصول، لأن وسائل التعمية تطورت بما يفوق تطور وسائل النشر السليمة، ولأن تأثير السلطة يبقى كبيراً في وسائل الاتصال الحديثة - بما في ذلك القدرة على حجب هذه الوسائل أحياناً - والرأي العام يتعب هو الآخر من عناء البحث عن الحقيقة، وغالباً قبل أن يتعب الحكام.

وتفرض عصرنة العملية الديمقراطية؛ عقلنة الهياج الشعبوي الذي غالباً ما يُنتج أدوات حكم أو منح الثقة لأشخاص يشكلون ضرراً على المصالح العليا للشعب، أكثر من غيرهم، كذلك تحديد ضوابط إنسانية أمام قادة الرأي. كما يجب على هذه العصرنة إنتاج معاهدات دولية تُحرِّم استخدام كافة أشكال العنصرية، بما فيها التحريض الديني أو العرقي أو القومي، وكل أشكال الحضّ على الكراهية بين الناس.