''سعر'' الحكومة لا يُصرف عربياً ودولياً... ومحاصصة محاور السلطة تُشعل الانتفاضة!

النهار |

 


مشهد المواجهات العنفية في وسط بيروت لم يحجب عمق الخلافات بين القوى السياسية والطائفية التي تنتسب الى قوى الثامن من اذار. السلطة التي استدرجت المنتفضين الى العنف هي نفسها التي تغاضت عن مطالب الحركة الشعبية طوال أكثر من ثلاثة أشهر، وأفسحت في المجال لدخول قوى ومجموعات تعمل على تسخين المواجهات لخدمة أطراف يسعون الى التوظيف لحسابات سياسية، تماماً كما القوى الحاكمة اليوم التي تفيدها الفوضى لفرض أجندتها في إمرار حكومة اللون الواحد بعد تذليل الخلافات بين مكونات محور المقاومة، ثم الانقضاض على الانتفاضة بعد حرفها عن سلميتها. وقد كان واضحاً أن القمع الشديد ضد المحتجين مستنداً الى تبرير الاعتداءات على القوى الامنية والاملاك العامة والخاصة هدفه ارباكهم وتقديم صورة مشوهة لحراكهم، حتى لو كانت السلطة تعرف أن ما جرَّ الشباب المحتجين إلى العنف هو سياستها والذي بدأ مع مجموعات تؤدي أدواراً لحسابات سلطوية وفق ما يقول مصدر سياسي متابع، وهو ما يدفع الناس إلى المطالبة بتأليف حكومة انقاذ مستقلة.

مع المواجهات المستمرة والمفتوحة على كل الاحتمالات، والتي قررتها الانتفاضة للضغط في هذه المرحلة المفصلية، بقيت العقد الحكومية على حالها، وإن كان رئيس "تيار المردة" قد ألغى مؤتمره الصحافي بوساطة من "حزب الله"، لتنسحب المشكلة على العهد نفسه الذي ارتفعت مطالبات بكفّ يده وعدم مصادرة صلاحيات رئاسات أخرى، والاهم من ذلك رفع الغطاء عن رئيس "التيار الوطني الحر" الوزير جبران باسيل الذي بدا أنه يطرح معادلة الحصول على الثلث المعطل أو إسقاط الحكومة بعدم المشاركة فيها وعدم إعطائها الثقة. وقد بات واضحاً أن "حزب الله" يسعى الى تذليل العقبات إذ تمكن من اقناع فرنجية وثنيه عن التصعيد، ثم تسهيل ولادة الحكومة في ظل الظروف المتوترة في المنطقة والعمل على مواجهة الضغوط الدولية التي انتقلت الى مرحلة جديدة لا يمكن معها بقاء الولادة متعثرة. وحتى الآن لم تُحل عقدة باسيل، فيما يسعى الحزب الى اطلاق الحكومة قبل حصول تطورات جديدة في المنطقة وقبل اصدار الإدارة الاميركية عقوبات باتت قريبة وفق ما يتم تداوله، إذ ينقل المصدر السياسي عن أوساط ديبلوماسية احتمال فرض عقوبات على اسماء وشركات مالية وصيارفة في لبنان، إلى عقوبات تشمل أيضاً بعض الشركات في العراق واسماء لها صلة بإيران.

وبينما تستمر الانتفاضة بالضغط من أجل حكومة مستقلة، راهنت السلطة من خلال المواجهات الاخيرة على فرض واقع جديد يسمح بإمرار الحكومة وتقديمها كضمان للاستقرار، لكن الخلاف الذي بدأ يأخذ أبعاداً لها علاقة بالمنطقة إلى جانب الحصص والسيطرة على القرار، يواجهه "حزب الله" بالعمل على التعجيل في تشكيل الحكومة وارضاء الرئيس المكلف بالاختصاصيين، وحل مشكلة حلفائه، وهو يعرف انه قادر على السيطرة عليها أو أن يكون مقرراً فيها طالما ان في إمكانه اختراق البيئات الطائفية الأخرى. ولأنه يعرف انه سيتعرض لضغوط دولية كبيرة وعلى المستوى المالي، بدأت مع تصنيفه من بريطانياً على لائحة الإرهاب، إلى مخاوف من انسياق بعض الدول الأوروبية أيضاً للضغوط الأميركية واتخاذ اجراءات ضده، فإن لا مانع لديه بأن يتمثل بأسماء غير حزبية، حتى أنه تراجع عن اسم عبد الحليم فضل الله ونزل عند رغبة دياب في اختيار اسم غير حزبي.

وفي السياق، يجري الحديث عن أن الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، سيتولى أدواراً متعددة في المنطقة بعد اغتيال قاسم سليماني، إذ يشير المصدر الى أن ذلك سيمنحه مسؤوليات تتخطى الساحة اللبنانية والسورية أيضاً، وهو الذي كان أدى أدواراً مهمة في العراق والمطلوب أن يوسع دوره لجمع القوى والتيارات الموالية لإيران، وكذلك في الساحة الفلسطينية التي يعرف تفاصيلها بعد سليماني، وهو أمر يعرف الحزب انه سيترك تداعيات على لبنان، لذا يصر على حسم ملف الحكومة وما يتصل بها وتأمين حصانة داعمة في وجه العقوبات المحتملة التي قد يتعرض لها. وهو يتواصل مع الرئيس ميشال عون ومع باسيل لتمرير الولادة في أسرع وقت، مع الأخذ في الاعتبار اعتراضات الطرف الآخر من الثنائي الشيعي الذي يسعى ايضاً الى حماية موقعه وضمان دوره في معادلة حكومة اللون الواحد.