تخبط لبناني وعربي!

فيصل مرعي |

من المؤسف حقاً، ان يبقى لبنان متأرجحاً، متخبطاً تتلاعب فيه رياح عاتية من كل حدب وصوب، وان يدور في مدار أزمات وعثرات، تضرب به وبمكوناته ومقوماته بين الفينة والفينة، علماً ان المساكنة و العيش المشترك، فضلاً عن هذه الديمقراطية التوافقية، والتي وإن كانت تشوبها شوائب عديدة، تبقى المدماك الاساس في بقاء لبنان واستمراريته. اقانيم ثلاثة لا غنى عنها في المدى المنظور، الى ان يأتي يوم نطور فيه هذه الديمقراطية، ونرتقي بها الى مصاف الديمقراطيات الغربية، والتي يجب ان نأخذ منها القسط الوفير، حرصاً على هذه المسحة الحضارية التي يتمتع بها هذا البلد المتميز على ساحل هذا الابيض المتوسط.

بيد ان ما يؤلم فعلاً بقاء هذا الوطن في حالة ضياع مستدام، بسبب تركيبة النظام القائم، وبسبب هذه الطائفية السياسية المقيتة، وارتماء بعض الذين اعتلوا سدة الحكم في احضان قوى خارجية ، دون صحوة ضمير، (وأي ضمير!)، انه ضمير تلك "الليمونات" في العصور المظلمة، حيث القول الفصل للحاكم لا للشعب. صحيح ان التاريخ يذكر الملوك والجلادين، ولكن كم وكم من حاكم قُطعت يده عندما جاع الشعب.

هكذا نوع من الانظمة، لا عيش لها طال الوقت أم قصر. انظمة نراها تتهاوى ما بين طرفة عين واغتماضتها، وتتلاشى عند اقدام اي حدث بسيط بسبب عدم تواصلها مع الشعب، وتأمين لقمة عيش كريمة له، وبسبب التمسك بامتيازاتها، وارتباطها احياناً بما وراء حدود الوطن، تاركة الشعب وحيداً، ما يثير القلق لديه، فيروح تارة يناضل، مطالباً بحقوقه الاجتماعية، وتارة اخرى خارج اطار الدولة، جمعاً لصفوفه بوجه الطغمة الحاكمة.

واليوم، وفي ظل الاجواء القائمة المشوبة بألف خطأ وخطأ، لا سيما لجهة الغرق في آتون قوى خارجية، وتوترات سياسية داخلية، تعني اكثر ما تعني، ادارة الظهر للطائف، وللدستور، وللتوازنات الداخلية، ولسياسة النأي بالنفس، والتطلع الى انظمة تتهاوى (وأي أنظمة!) إنها نتاج حفائر تاريخ لا تعرف للديمقراطية، وللإنسانية معنى.

ان الانتفاضات القائمة اليوم، وإن أخمدت، مرحلياً ومؤقتا، فانها ستعود ناراً لاهبة لتُري الشعوب الحرية والنور والطموح، خصوصاً وانها نابعة من معاناة وعذابات، لم تكن لتحدث، لو لم تكن هنالك عوامل واسباب وبنى فوقية معادية للشعب، بكل مكوناته ومقوماته، ناهيك عن عجزها في اقامة  السلام، وادعائها العروبة سنين طوالاً، ما جعل الشعب في صراع دائم معها، غير دارية عن ان للتاريخ والمستقبل منطقاً، وان عقارب الساعة لن تعود الى الوراء.

في ظل هذا الواقع الاليم، وفي ظل هذا التخبط داخلياً وخارجياً، هنالك رجال ملء الزمان كبار، يعملون على صد المحد والفتن، وينزعون دائماً الى التوافق، ولوجاً الى صوغ برنامج يدفع بالوطن باتجاه وحدة اجتماعية ووطنية تحضن الجميع، منعاً لزوال اوطان، ولكل ما يغدو كيّة في القلب، وهمّاً يطاول الجميع..