خارطة الطريق الضائعة

10 كانون الثاني 2020 20:13:52

استبشر اللبنانيون خيراً حين شاهدوا كيف عمّت التحركات الشعبية كافة المناطق اللبنانية، مترافقةً مع رفع العلم اللبناني، ولأول مرةٍ دون سواه، غداة اندلاع الثورة الشعبية، أو الإنتفاضة، لا فرق، وذلك في ظاهرةٍ قلّ نظيرها على الساحة اللبنانية. إلّا أن اللافت كان غياب أي هيئة قيادية، أقلّه بالظاهر، أو جهةٍ تتحدث باسم الحراك. ولهذه الظاهرة ناحيتان، إيجابية وسلبية.

فالإيجابية فيها تكمن في عدم تمكّن السلطة من الاستفراد بقيادة الحراك لفرض تسويةٍ ما بالترغيب أو التهديد. لكن السلبية تكمن في عدم توحيد المطالب من خلال رؤيةٍ واضحة ومحددة الأهداف، بتسلسلٍ زمني يشكّل خارطة طريق لعمل ثورة 17 تشرين.

لا شكّ في أن رفع شعار "كلن يعني كلن" ميّز هذه الشريحة التي سئمت من الوضع السياسي في لبنان، ولم تعد تصدّق غالبية رجال السياسة، والتي تأكّد لها فشل السلطة في ممارسة دورها مجتمعةً، أي أنه ثبت لها أن شعار حكومة الوفاق الوطني هو نفاقٌ كبير يهدف إلى تقاسم السلطة تحت شعار "مرّقلي تمرّقلك".

إلا أن الصدمة أتت من خلال الاعتراض الواضح للمجموعات التي يتشكّل منها الحراك بمجرد ذكر اسم أي زعيمٍ لربطه بالفساد، وإذا لم يكن الخلاف من داخل الحراك نفسه يكون بين الحراك وشارعٍ آخر. وقد ثبت أن لكل زعيمٍ جماهير مؤيدة له تبرّر سلوكيته بسبب غياب الدولة الكامل عن الوطن، واضطرار الزعيم لتحمّل مسؤولية بيئته الحاضنة اجتماعياً واقتصادياً.

لم يستطع الحراك الشعبي أن يتعامل بواقعيةٍ مع هذه الظاهرة. وكان شدّ الحِبال يتمّ وفق اختلاف المناطق، حتى أنه مع اعتذار الرئيس سعد الحريري عن التكليف، وظهور الدكتور حسّان دياب كرئيسٍ مكلفٍ، لم يستطِع الحراك التفاعل مع هذه الظاهرة. ومنذ التكليف وحتى اليوم لم يستطع الحراك قراءة ما يدور بشأن التأليف قراءةً موحّدة لمسار التأليف، إذ إن المطالبة كانت بحكومة اختصاص يتولى صياغتها الثلاثي أمل – حزب الله – العونيين، وبالتالي ما زالت تدور الحكومة المنتظرة ولادتها في الفلك السياسي لهذا التحالف.

كان من المفترض بعد استقالة الرئيس الحريري أن يتمّ تشكيل حكومة انتقالية يتولى حقائبها اختصاصيون في مجال عملهم. وطبعاً يحظون بموافقات التيارات السياسية، لأنهم بدورهم سيعطون الثقة للحكومة. إلا أن دور الحراك يكمن في التأكد من نزاهة الأشخاص، حتى ولو تمّت تسميتهم من بعض المراجع السياسية. فهذا واقعٌ للحالة السياسية والشرعية في البلاد، ولا يُمكن نكرانها، وعلى أساس أن تتولى الحكومة الجديدة مهمة أساسية، وهي إقرار قانون عصري للإنتخابات النيابية المبكرة، ويتولّى المجلس الجديد انتخاب رئيس جمهورية للبلاد. إن هذه الخطوات، وإن استغرقت ثلاث سنوات، وهي مهلة انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون، تشكّل خارطة طريق ثابتة للتغيير.

وبالتوازي مع هذه الخطوات يُطلق سراح العمل القضائي باستقلالية تامة، وإذا كان هناك من ملفات مشبوهة تقدّم للقضاء، بعد أن يكون قد حُرّر من كل التدخلات السياسية، فيُنظر في الملفات، وتُتخذ الإجراءات القضائية بشأنها.

بات واضحاً في لبنان أن هناك قضايا تجمع وقضايا تفرّق، ولا بد من توحيد القواسم المشتركة لكافة الساحات، ووضع الأهداف ضمن تسلسلٍ منطقي. كما لا بدّ من احترام آراء الآخرين الذين يشكّلون قواعد جماهيرية لا يستهان بها لأحزابٍ، وتيارات سياسية، وزعماء سياسيين. وبالتالي فإن تقبّل الآخر هو مدخلٌ الى الحوار، شرط عدم فرض الآراء أو القرارات، بل لتكن المشاركة حتى ضمن التباين في اتخاذ الخطوات.

أما فيما خصّ الانتقال إلى الدولة المدنية، فعلى الحراك أن يكثّف الخطوات في هذا المجال لفصل الدِّين عن الدولة. وإذا كان هناك من ضمانات مطلوبة من قبل الطوائف، فيجب إنشاء مجلس الشيوخ ليكون الضمانة للطوائف، على أن يتم انتخاب أعضاء المجلس النيابي خارج القيد الطائفي. وبدلَ أن يوجّه الحراك سهامه إلى الزعماء ويصطدم مع جماهيرهم، عليه الضغط لإقرار قانونٍ عصريٍ للأحزاب، والذي على أساسه تشارك في انتخابات المجلس النيابي خارج القيد الطائفي.

إن غياب الحراك الشعبي، أو ثورة 17 تشرين، عن الساحة يلقي بظلاله على المنحى الخاطئ التي تسير فيه الأمور لتشكيل الحكومة، وبالتالي عليه مهمة أساسية تكمن في وضع خارطة طريق لكي لا نصل إلى المحظور.

* رئيس جمعية كمال جنبلاط الفكرية