ثقافة المقاومة لبنانياً

د. قصي الحسين |

 من الصعب فهم ثقافة المقاومة لبنانياً، نظراً للتعددية الثقافية اليوم في لبنان، وأكثر من أي زمنٍ مضى، ونظراً للّغات المندرجة في إطارها، قياساً لحجم تنوّع اللبنانيين. ولا أقول التنوّع اللبناني، فضلاً عن لعب العديد من العوامل والمتغيّرات، دوراً بيّناً في تشكيلها، مثل الإرث الثقافي، والإرث الاستعماري، والإرث الديني، والإرث المناطقي، والإرث الطوائفي، والإرث الحزبي، والإرث السياسي، والإرث العشائري، وإرث البيوتات، وإرث الزعامات، بكل تاريخانياتها القديمة والمتجدّدة.

وتعدّ الثقافة مصطلحاً شديد العمومية، وعنصراً مكوناً ومتغيّراً باستمرار، في الجامعات اللبنانية كلها، وفي طليعتها الجامعات الوطنية، ولو على شكل فروعٍ جامعية، لتسيُّد مناطقها عليها، أكثر من تسيّدها على مناطقها.

لهذا، أزعم، أنه لم يعد للثقافة مفهوماً ثابتاً في كتب التدريس الجامعي، وحتى في مختلف الفروع الجامعية في المناطق. وينطبق ذلك على الفروع الجامعية في العاصمة بيروت نفسها.
 وتنطوي محاولة الإلمام بثقافة المقاومة لبنانياً، على تعقيدات كثيرة وكبيرة من هذة الأنواع التي ذكرتها. نظراً لكون لبنان بلداً وطناً مترامي الأطراف، يعتاش من المحاصصة، ومن مبادلات الأرجوان، في مرافئه ومراكبه، أو لما في بدنه وقلبه وعروقه، من أجل كينونته وقوته، أو من أجل  قوّته، لا فرق!

وساهمت طبيعة لبنان المتباينة، وتضاريسه المتنوعة، وحدوده الملعوبة أو اللعوبة، في لعب دورٍ في إنتاج هذا النوع من تنوّع ثقافة المقاومة لبنانياً.

 لهذا، تعددت لغاتها، وتنوّعت عاداتها، واختلفت طقوسها المعاندة، والممانِعة والمقاوِمة، في تشكيل هوية اللبناني اليوم، بما هو مقاومٌ وطنيٌ بامتياز.

 وباتت لغة المقاومة الوطنية، إسلاميةً، واحتجاجيةً، عسكريةً ومدنية، تُشعل البارود، وتحمل الورود، وتتأهب خلف خطوط العدو الإسرائيلي على الحدود، وتسيل في الشوارع، وتتجمهر أمام الإدارات والوزارت والبيوتات، وتنادي على الرؤوس، وكأنها في "سوق البطيخ".

تتألف لغة المقاومة لبنانياً اليوم، في زمن المحنة الوطنية، والإمتحان الهوياتي الثقافوي التاريخاني، من نوعين من الجهاد: الجهاد الأصغر،  والجهاد الأكبر.

 برز قياديو الجهاد الأصغر، منذ السبعينيات، حين طمح العدو الإسرائيلي للتوغل في الجنوب السائب. وقاد التلاحم بين أحزاب الحركة الوطنية، بزعامة كمال جنبلاط، وبين فصائل الثورة الفلسطينية، بزعامة ياسر عرفات، معركة الجهاد الأصغر مع العدو الإسرائيلي. وتولّت المقاومة الإسلامية،منذ الثمانينات، قيادته، حتى التحرير المظفّر في العام 2000.

وقادت الحركة الوطنية اللبنانية، الجهاد الأكبر، ودفعت ثمن ذلك، شهادة القائد كمال جنبلاط نفسه، في 17 نيسان العام1977.
 بالجهاد الاصغر، حرّرت المقاومة الإسلامية الجنوب، ودفعت ثمن ذلك الآلاف من القيادات وغيرهم.

وتراجعت الحركة الوطنية، عن التقدم في برنامجها الإصلاحي، بعد دخول قوات الردع العربية. وعمّ الفساد البلاد منذ ذلك التاريخ حتى اليوم، وحتى وصل لبنان، بلا إعلان، إلى الإفلاس.

هبّ اللبنانيون، مساء17  تشرين الأول 2019، الهوينا، يقودهم الجهاد الأكبر نفسه الذي حملته الحركة الوطنية اللبنانية،

"لا ريث ولا عجل". هبّوا يطالبون بمالهم المنهوب. وبرغيفهم المسروق، وبدولتهم التي أحرقها الفساد، وأغرق مركبها اللّاعبون بالأرجوان، من باعة، بادلوا بأبنائهم وبقوتهم، وبأرواحهم، وبدمائهم، دون حياء أو خجل. تربعوا على جثث الوطن، في الدور والقصور، والمنابر، وفي الإدارات والمراكز.

ربما، تمكّنت ثقافة المقاومة لبنانياً اليوم، من قلوب اللبنانين، بالجهاد الأكبر. ولهذا، سألوا في الشوارع والمناطق، وفي الطوائف وفي الأحزاب، وأمام البيوتات والسرايات، يسألون عن حقوقهم، وحقوق أبنائهم، في العيش الكريم، داخل الوطن لا خارجه، والذي لم يُحرّر من العدو والغاصبين لحساب المحسوبين، والمحاسيب الفاسدين. 

إن شجاعة العيش معاً، وسط قانون أرثوذكسي مقنّع من هنا، ومحاصصاتٍ رئاسية مموّهة من هناك، لهيَ أفضل طريقة لفهم التفاصيل الدقيقة لثقافة المقاومة لبنانياً اليوم.
 جهادٌ أصغر مع العدو الإسرائيلي، وجهادٌ أكبر مع الفساد، بجميع وجوهه في القصور والمجالس والرئاسات والوزارات.

فلم تعد ثقافة المقاومة لبنانياً، غامضة. فقد تغيّرت حدود الدولة، وغدا خط التماس في الساحات، وحول قصور الرئاسات والوزارات، يتوسّع ويتقلّص، بمقدار تحقيق النجاحات، في التطهير الوطني اللبناني الجامع للأطياف.

وسوف تستمر هذة الرحلة الميدانية المدنية السلمية المسالمة، بالكر والفر، أمام رعونة من هنا، وشطارة تكذّب أهلها من هناك، حتى تحقيق "الجمهورية التشرينية". ولا يوجد طريق مختصرٌ لفهم ذلك، سوى غموض محركات الشعب الثائر هذة المرة بقوة، وبخطى ثابتة وحثيثة في جهاده الأكبر.

وليس هناك، من طريق أجدى من ذلك، لمحاربة ترييف لبنان، لأجل الدفاع عن دوره الحضاري الرائد، في السياسات الاجتماعية، وما يرتّبه ذلك من تأثيرات على ثقافة المقاومة لبنانياً.

أنا من جيل مقاومة، مضى. وستصبح أجيال المقاومة لبنانياً الأصغر، هي حتماً الوجوه الجديدة الممثّلة لثقافة المقاومة لبنانياً، أينما كانوا، وفي أي منطقة عاشوا، ولأي طائفةٍ أو إرثٍ انتموا.

فقد نشأوا في عصر التواصل الاجتماعي، وشبكات الجيل الخامس، والذكاء الاصطناعي. وفي الوقت الذي يزداد فيه رهبوت العدو، ورهبوت الدولة أيضاً، يزداد كذلك الاستقلال الفردي والاجتماع الخلوي عندهم.

 سيتشكل، حكماً، في نهاية المطاف جوهر ثقافة المقاومة لبنانياً، لهذا الجيل الجديد، من خلال المحادثات بينهم وبين أسلافهم. وعلى الدولة أن ترعى ذلك، لأجل تطوير شباب التحرير وشباب التنوير، حفاظاً على ثقافة المقاومة لبنانياً، فنحفظ البلد، فلا يطير.


  (*) أستاذ في الجامعة اللبنانية