لبنان والعراق: الدولة لا الساحة!

رامي الريس / نداء الوطن |

المنعطف الخطير الذي تمر به منطقة الشرق الأوسط بلغ مرحلة متقدمة من التوتر والغليان وذلك بعد اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني في غارة أميركية في العراق.

التساؤلات الكبرى التي تقلق شعوب المنطقة لا سيما في العراق ولبنان (سوريا واقعة في الحرب أساساً للأسف) تتعلق باحتمال اندلاع حرب جديدة مباشرة او بالواسطة بين طهران واشنطن بحيث تكون الدول العربية ساحتها المستباحة مجدداً.

ولعلها من المفارقات التاريخية الكبرى أن تكون الولايات المتحدة الأميركية بحروبها المتلاحقة في المنطقة هي التي سمحت، عن قصد أو غير قصد، بنمو الدور الإقليمي وبسط النفوذ الإيراني في عدد من الساحات وذلك بعد إسقاط ألدّ أعداء طهران وهم: طالبان، صدام حسين وأسامة بن لادن.

لقد أتاحت هذه السياسات الأميركية لإيران أن تتفرغ لتطوير قدراتها النووية ولدعم حلفائها في الدول العربية، وجميعهم من غير الدول بل من الأحزاب والميليشيات مثل الحشد الشعبي في العراق و"حزب الله" في لبنان والحوثي في اليمن وحركة "حماس" (ولو تعرضت العلاقة لانتكاسات في محطات معينة على صلة بالثورة السورية) وسواها من الفصائل.

من الواضح أن طهران لا تحبذ العلاقات المباشرة مع الدول بل مع مجموعات فيها تدين بالولاء لها ولمشروعها، ما جعل ساحات لبنان وسوريا والعراق مترابطة بالنسبة للايرانيين، وتحرك التطورات السياسية والميدانية فيها وفق رؤيتها المركزية، وعلى قاعدة تطور علاقاتها (سلباً أم إيجاباً) مع سائر الاقطاب الدولية.

ولكن في ظل الأزمة الخانقة التي يمر بها لبنان والحرب المشتعلة في سوريا منذ سنة 2012 والانقسام العراقي الذي تجلى في جلسة مجلس النواب التي قاطعتها مكونات أساسية من المجتمع العراقي وغرق اليمن في حرب قاسية على كل المستويات، هل يمكن القول إن طهران فعلاً تستطيع الاستناد إلى هذه المجتمعات المفككة والدول "الفاشلة" وغير القادرة على إدارة شؤونها بذاتها؟

التلويح بالحرب يخفف من إحتمالات وقوعها، والتحديد المتبادل للاهداف بين واشنطن وطهران لا يعدو كونه يدخل في إطار الحرب الإعلامية والنفسية بين الطرفين (من دون أن ينفي ذلك وجود أهداف حقاً في إطار التحضيرات العسكرية واللوجستية التي تقوم بها الدول المتخاصمة).

الوقوع في الحرب الشاملة ليس من مصلحة أحد، ولكن "تقليم الأظافر"، ولو بدرجة عالية قياساً إلى المرات السابقة، يبدو الخيار الأكثر واقعية لكلا الطرفين، من دون أن يعني ذلك عدم مواصلة سياسة تبادل الرسائل السياسية والعسكرية والامنية، فكلاهما يملك من الأدوات والساحات والمواقع ما يجعله يحرك عدداً من الأوراق من دون إشتعال الحرب الشاملة.

لقد تزامنت الثورة اللبنانية مع الثورة العراقية، فالمشاكل بين البلدين متشابهة ومتقاربة، حتى أن التعددية والتنوع هما سمة مشتركة بين المجتمعين اللبناني والعراقي، وكلاهما مخترقان في أمنهما وسيادتهما، فضلاً عن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية وملفات الفساد وضعف السلطة القضائية وغياب آليات المحاسبة والمساءلة.

من حق اللبنانيين والعراقيين أن يحلموا بدولة قادرة وقوية تقطع الطريق على أن يكونوا ساحة لتصفية الصراعات الدولية والاقليمية، وأن تكون الشعوب وقوداً لاشعال النيران خدمة للمحاور الإقليمية دون سواها.

وفي لبنان، الإعداد والإخراج لحكومة اللون الواحد سيئ، ولم يكن ينقصه تعقيدات المعطى الإقليمي الأخير!