رسالة إلى المعلِّم الشَّهيد كمال جنبلاط

سلمان زين الدين |

السَّلامُ عَلَيْكَ أوانَ وُلِدْتَ،
وَآنَ شَهِدْتَ،
وَحِيْنَ تَعودُ إلَيْنا، وَبَعْدْ.
نَحْنُ نَشْتاقُكَ، اليَوْمَ، أكْثَرَ
منْ أيِّ وَقْتٍ مَضى،
يا مُعَلِّمُ،
وَالشَّوْقُ جَذْوَتُهُ منْ جَذاةِ الغَضا.
وَنُفيءُ إلى ظِلِّ عَيْنَيْكَ إذْ
تَسْبُرانِ العَميقَ
وَتَسْتَشْرِفانِ البَعيدَ
وَتَسْتَمْطِرانِ غَمامَ الفَضا.
وَنَتوقُ إلى راحَتَيْكَ تُجيدانِ
نَثْرَ البِذارِ،
وَخَوْضَ الغِمارِ،
وَقَطْفَ النُّجومِ،
وَنَقْضَ القَضا.
     ***
منْ زَمانٍ،
رَأيْتَ المَسارَ العَقيمَ 
الذي أقْحَموا الشَّعْبَ فيهِ،
رَأيْتَ المَصيرَ الوَخيمَ لِجُلِّ بَنيهِ
وَحَذَّرْتَهُمْ منْ عَقيمِ المَسارِ                                                                  
وَحَذَّرْتَهُمْ منْ وَخيمِ المَصيرْ.
وَوَضَعْتَ البَنانَ على جُرْحِنا،
وَوَصَفْتَ العِلاجَ النَّجيعَ لَنا،
وَرَسَمْتَ خَريطَةَ دَرْبِ الدَّواءِ الأخيرْ.
غَيْرَ أنَّ وُلاةَ الأمورِ
أشاحوا عنِ الحَقِّ
لمْ يَسْمَعوا، يا مُعَلِّمُ، ما قدْ صَدَعْتَ بِهِ
لمْ يَرَوْا ما رَأَيْتَ
وَلمْ يَسْتَطيعوا الصُّعودَ إلَيْكَ
فَألْقَوْا بِنا في مَهَبِّ الرِّياحِ
عَرايا لِيَكْسَوَنا الزَّمْهَريرْ.
        ***

الفَراشاتُ،
مُذْ أدْرَكَتْ نِعْمَةَ الضَّوْءِ،
تَصْبو إلَيكَ،
وَتَهْوى الطَّوافَ بِقَناديلِ عَيْنَيْكَ
حتّى وَإنْ كانَ دونَ صَبابَتِها
وَهَواها الحِمامْ.

وَالمَساكينُ ما فَتِئوا
يَصْطَلونَ بِجَمْرِ الأماني
التي أجَّجَتْها رِياحُكَ فيهِمْ،
على غَفْلَةٍ،
منْ رَمادِ الظَّلامْ.

وَالعَناقيدُ إذْ هَنِئَتْ بِعَتيقِ
الإقامةِ في كهفِ دَنِّكَ
ما بَرِحَتْ تَجْذُبُ الظّامِئِينَ
إلى الدَّنِّ كي يُتْرِعوا الكَأسَ
حتّى الجَمامْ.
       ***

 رُغْمَ ما يَعْتَرينا منَ الضَّعْفِ
في سَبْرِ خَيْرِ الشُّؤونِ 
وَما نَحْنُ فيهِ مِنَ العَجْزِ 
عنْ دَرْءِ شَرِّ الشُّجونْ.
لمْ يَكُنْ غَدُنا قَدَرًا ظالمًا
فَرَضَتْهُ القُرونُ عَلَيْنا
وَلنْ يَكونْ.
إنَّهُ منْ صَنيعِ يَدَيْنا،
على السّابِقاتِ لَنا،           
وَاللّاحِقاتِ بِنا،                 
منْ بَناتِ القُرونْ. (1)
هِيَ قَوْلَتُكَ الفَصْلُ
أطْلَقْتَها، يا مَعَلِّمُ، يَوْمًا
وَرَجْعُ صَداها سَيَبْقى
يُسافِرُ عَبْرَ السِّنينْ.
وَالصُّدورُ الّتي لا قَميصَ عَلَيْها
تُحَرِّرُ عالمَنا منْ
بَهيمِ الظَّلامِ
وَذُلِّ الرَّغامِ
وَحُكْمِ الجُنونْ. (2)
هيَ قَوْلَتُكَ القَطْعُ
يَأوي إلى ظِلِّها
الأقْرَبونَ منَ المُتْعَبينَ
وَالأبْعَدونْ.
     ***
ما هَمى منْ لَطافَةِ روحِكَ 
صِرْفًا، صُراحًا، على ما                   
طَمى منْ كَثافَةِ أجْسادِنا،
يا مُعَلِّمُ، مَنْذُ عُقودْ،
ما يَزالُ، على عَهْدِهِ،
سِدْرَةَ المُنْتَهى، في
اجْتِراحِ الحُلولِ
وَمَحْوِ الطُّلولِ
وَرَسْمِ الحُدودْ.
وَلِذا،
يُقْبِلُ الظّامِئونَ إلى الحَقِّ
دَوْمًا عَلَيْكَ لِكَيْ يَنْهَلوا
منْ مَعِيْنِكَ كَأْسًا صُراحًا
بِها يُدْرِكونَ جَمال الوُجودْ.
فَالسَّلامُ عَلَيْكَ أَوانَ وُلِدْتَ
وَآنَ شَهِدْتَ
وَحِيْنَ تَعودْ.
             

1 -  إشارة إلى قوله: "إن غدنا من صنع أيدينا وليس قدرًا ظالمًا فُرِضَتْ أحكامه علينا".
2 – إشارة إلى قوله: "إن الذين ليس على صدورهم قميص هم الذين سيحرّرون العالم".