الحراك ليس حزباً... فعلى مَن الرهان بالإنقاذ؟

انور نمور |

تُظهر الأحداث الجارية في لبنان أنه كلما أوغلنا بأيام الروزنامة التي تؤرّخ للحراك، أن الحراك ليس حزباً، ولا هو يدّعي بأنه كامل الشعب... لكن لا بد من الاعتراف بأنه شكّل نقطة تحولٍ في طريقة تعاطي اللبنانيين للسياسة.

بدايةً، لا بد من البحث بماهية السياسة، ومن هم السياسيون، والبحث بتحديد ما هو الحزب ومَن هو الحزبي.

فالسياسة وممارستها، كما اعتقد "كمال جنبلاط" واعتنق، هي عقيدةٌ نبيلة كونها تتعاطى شؤون الناس وهمومهم، وهي إلى ذلك فن إدارة المجتمع، وهي يجب أن تكون شريفة بوسيلتها كما الغاية التي من أجلها وُجدت. وليست السياسة تهمةٌ، ولا السياسي النظيف متهم. وكذلك الأحزاب، فالحزب يتألف من مجموع الأشخاص الطليعيين (الحزبيين) الذين يدركون حاجات مجتمعهم قبل غيرهم، وهم المؤمنون بعقيدة واحدةٍ يدافعون عنها، ويدفعون في سبيلها الغالي والنفيس بسعيهم إلى تحقيقها. هي عقيدة اجتماعية بالغالب توصل الحزب إلى مجتمع الكفاية والعدل (المجتمع الحلم). فالمواطن الحر سيشكّل بالضرورة مجتمعاً سعيداً.

كما أن الحزبي ليس مجرماً. وهو مَن يتحلّى بالمناقبية التي تفرضها أخلاقه الحميدة أولاً، وضميره ثانياً، قبل أي شيء، ودون ذلك يكون العمل السياسي مجرد أداة للوصول إلى المغانم من مناصب، ومراكز (مال ونفوذ)، كما هي الحال الآن لدى بعض منتسبي الأحزاب اللبنانية. والحزبي ليس مجرماً، فهو الذي يدفع اشتراكات حزبه، ويدافع عن أفكاره وآرائه بجوٍ من قبول الآخر، ومحاورته، والتعاطي بسلمية لافتة. وهذا ما يفعله الحراك.

الحراك ليس حزباً، لكنه يتألف من المجاميع الشعبية للقواعد الحزبية التي ظلّت صامتةً لوقتٍ كبير، أو كان مغلوباً على أمرها، أو لأنها كانت وفيةً لما تؤمن به.

الحراك ليس حزباً، ولا هو منظمٌ على أساسٍ عقائدي (اللّهم إلا عقيدة الفقر التي تجمع بين المحتجين جميعاً، وأولئك غير المحتجين أيضاً).

والحراك ليس حزبا. فلا تسلسل هرمياً له، أو انضباطية شديدة واضحة، ليأتمر بها. وربما تكون هذه نقطة قوة، لكنها نقطة ضعف أيضاً، ومجال لدخول المندسّين الماكرين بين صفوفه.

والحراك ليس حزباً، ولا يجب أن يكون، فكما وُجد كرقمٍ في المعادلة يصعب تجاهله، لا يمكنه أيضا إلغاء، أو إقصاء الآخرين.
لا تصدّقوا أن الحراك لا- حزبي، وقد بحثنا ما معنى (حزبي).

لا تصدّقوا أن لا أحزاب داخله. لكن أحزاب الحراك تتحرك وفق قناعة الوطن أولاً. هم شعبية الأحزاب، وليسوا مستورَدين. الحراك استيقظ، وأعطى معنىً جديداً للحرية السياسية. هم ليسوا سياسيين. هم كل السياسة. ففنّ إدارة المجتمع هو السياسة بذاتها. 
الحراك ليس حزباً... ليس أحزاباً ... ليس جمعيات أهليةٍ فقط ... إنه طبقات المجتمع جميعها.

-    المجلس النيابي
 ثمة من يقول إن هناك مجلساً نيابياً منتخباً من الشعب، فلماذا الحراك، ولمَ الثورة؟ فلو سلّمنا جدلاً وقانوناً بأن النواب أتوا نتيجة الانتخابات، ولكن لنتذكر معاً ما كان معيار شرعية انتخابهم. كان القانون الانتخابي الأعوج. ونسبة المشاركة الضعيفة، ألا تعني شيئاً؟ ولربما تغيّر المزاج الشعبي، ألا يجب أن يؤخذ ذلك بالاعتبار. وتغيّر المزاج لم يأتِ اعتباطاً، فأداء النواب، وما انبثق عنهم من حكومة لم يكن على مستوى التحديات. فالكهرباء كحكاية إبريق الزيت. أما التضامن الحكومي فقد أخذ بطريقه وعود الوزراء بعدم فرض ضرائب على الشعب. فكانت قشّة ضريبة "الواتساب"، والتي أُقرت بإجماع الوزراء، هي التي قصمت ظهر بعير الحكومة.

-    الطرف النقيض 
على الطرف النقيض للحراك، وبدءاً من اليوم الثالث للانتفاضة – الثورة ولغاية الآن، يتم شيطنة هذا الحراك بشتى التصريحات والأفعال، الشرعية منها وغير الشرعية، ووصفِ الحراك بأنه فعل سفارات، إلى غزوة ساحة الشهداء، وإحراق النصب- الرمز يوم الاستقلال، إلى الميني- مظاهرة أمام قصر بعبدا، وصولاً إلى ما يصح تسميته غزوة الرينغ، فلا بد من أن نورد بعض الملاحظات.

يقولون إنهم كانوا يشاركون في أول يومين، وقد اتّصف هذان اليومان بالعنف، وأعمال الشغب، والتكسير، وتحطيم السيارات، واقتحام الأملاك الخاصة في شارع المصارف، والشارع المقابل للرينغ وغيرها. إذاً، هم أبطالها.
ثم إن أعمال العنف على المتظاهرين في ساحة الشهداء تمّت تحت سمعِ وبصر الأجهزة الأمنية، وأفلام الفيديو تشهد وكأن تلك الأجهزة، "شاهد ما شفش حاجة".
-    الجيش اللبناني
لنكن صريحين. إن للجيش اللبناني رصيدٌ كبيرٌ لدى معظم اللبنانيين، لا لشيء بل لأنه مكوّن من الأقارب والأهل والأصدقاء. إنما ذلك الرصيد معرضٌ للتآكل فيما لو تحوّل الجيش إلى حامٍ للنظام. وتاريخياً، في زمن الحرب الأهلية  والمرسوم رقم 10 الشهير، تحوّل الجيش إلى جيش للنظام، وحامٍ لفئةٍ دون غيرها من اللبنانيين. وكان ما كان من انقسامٍ للجيش وانتقاضة 6 شباط 1984، وتتالت الأحداث المؤسفة. إذاً دعونا لا نكرّر نفس الأحداث بأبطال مختلفين!! 

قائد الجيش منصبٌ دستوري، إنما القائد الأعلى للقوات المسلّحة هو رئيس الجمهورية. وهنا دقة الموقف. إذا تحرّك بعكس إرادة الرئيس أصبح متمرداً. أما إذا تحرك مثل ما يريد بعض المحيطين بالرئيس، فيصيح معارضاً لنصف الشعب اللبناني على أقل تقدير. إن موقفه لا يُحسد عليه، وهو لغاية الآن تعامل بحذر مع المواقف التي واجهته، بدءاً من فتح الطرقات، وصولاً إلى حماية المتظاهرين أنفسهم من العابثين.

وطالما أن الحراك ليس حزباً، فهو لايستطيع أن يتمثّل بأشخاصٍ محدّدين، كما أنه لا يستطيع أن يتقدم باقتراح قانون، فهو ليس برلماناً، أو أن يتقدّم بمشروع قانون، فهو ليس حكومة. جلّ ما يستطيعه هو أن يوجّه بوصلة الرأي العام، ويُعلي الصوت عسى أن يكون ثمة من يسمع!!!

الرهان... كل الرهان على الجيش، ليس على القائد وحده، إنما على كل القيادة والأركان.

الرهان... كل الرهان على الأحرار في المجلس النيابي...
الرهان... كل الرهان على العاقلِين وعلى ما تبقى من رجال دولة، ليتصدوا للوضع بشيء من الشجاعة.

 

الآراء الواردة في هذه الصفحة لا تعبّر بالضرورة عن رأي جريدة الأنباء التي لا تتحمل مسؤولية ما تتضمنه.