المايسترو والإيقاع المضبوط

المحامي فاروق زهر |

لقد تغيّرت قواعد اللعبة في الصراع الإقليمي والدولي بشكلٍ خطير، ينبئ معه بتحولاتٍ جذرية في تشكيل الخريطة السياسية والعسكرية للمنطقة بشكل عام، وخصوصاً بعد تعاظم النفوذ الإيراني عبر تمدّده بواسطة أذرعه وحلفائه من العراق إلى سوريا ولبنان وفلسطين واليمن وغيرها من الدول التي سيطر عليها سيطرةً شبه كاملة، وخلق فيها إما حكوماتٍ مواليةٍ له، أو معارضات مسلّحة استطاع من خلالها التحكّم بسياستها الداخلية والخارجية. 

ولقد نجح النظام الإيراني إلى حدٍ معيّن، بفرض نفسه كلاعبٍ إقليمي مستغلاً التناقضات والصراعات السياسيةالسائدة بين دول المنطقة، رافعاً شعار تحرير القدس الذي يدغدغ مشاعر العرب والمسلمين عامةً، والذي يشكّل له  غطاءً منيعاً، ومعتبراً أن طريق التحرير يبدأ من العراق، حيث فُرضت فيه حكومة اللون الواحد. وتحت شعار محاربة داعش اجتاح العراق ما يسمّى بالحشد الشعبي، خالقاً فيه حالةً من الانقسام المذهبي الحاد. وبذريعة الدفاع عن نظام الأسد في سوريا، واجه انتفاضة الشعب السوري بالحديد والنار،  ومن ثمّ جهّز  الانقضاض على النظام اليمني عبر الحوثيين، الذين حوّلهم إلى أداةٍ يستعملها لضرب المملكة العربية السعودية ومرافِقِها الحيوية.

وفي لبنان، أمسك بزمام الأمور عبر فرضِهِ لمعادلة الجيش والشعب والمقاومة، فشرّع من خلالها عملية الاستئثار بمقدّرات الدولة وقرارها في السلم والحرب، وحدّد سياستها الداخلية والخارجية بما يتناغم مع سياسته، ومصالح محور الممانعة.
والغريب أن كلّ ذلك حصل على مرأى ومسمعٍ من المايسترو الأميركي. والأغرب أن المايسترو الأميركي كان شريكاً للنظام الإيراني في بعض المواقع. مثلاً في العراق، لقد قاتل الحشد الشعبي تحت الغطاء الجوي لطائرات التحالف، ورغم ذلك بقيت أميركا الشيطان الأكبر !!!
وبقيت التهديدات والتحذيرات التي أطلقتها الإدارة الأمريكية للنظام السوري وحلفائه، بنتيجة الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري، حبراً على ورق!!!
لا بل أكثر من ذلك؛ إن التعرّض الإيراني العسكري المباشر، وغير المباشر، للولايات المتحدة الأميركية لم يواجَه من قبل الإدارة الأميركية إلّا باللغة الدبلوماسية، والتى لم تخلُ من التملّق والامتنان في بعض الاحيان، وخصوصاً في عملية التبادل التي جرت منذ أسابيع قليلة، والتي بموجبها تسلّمت الولايات المتحدة أحد المحتجزين لدى إيران !!!

حتى أن جميع المراقبين والمحلّلين السياسيين أجمعوا على أن التسوية - التي عُقدت في مسقط، عُمان، والتي أنتجت تسمية حسان دياب رئيساً لحكومة لبنان العتيدة، وقيام ديفيد هيل بزيارة لبنان، واجتماعه بحليف حزب الله، جبران باسيل، في منزل الأخير وعدم تعليق حزب الله على هذه الزيارة، وعدم شجبه أو التنديد بها كالعادة - تدلّ على أنّ العلاقات الأميركية - الإيرانية جيّدة، وأن الدور الأميركي في المنطقة قد تراجع لصالح المحور الإيراني.

لكن ماذا حصل ؟؟؟

فجأةً، ودون سابق إنذار، توترت العلاقات بين الدولتين بشكلٍ غير مسبوق، وعادت الخطوط الحمر ترتسم في المنطقة بريشة المايسترو الأميركي، الذي عاد ليضبط إيقاع اللعبة السياسية والعسكرية من جديد بصورةٍ مباشرة، ودون أي وسيط، عبر تنفيذه لعملية اغتيال قاسم سليماني، ذراع إيران الإقليمي، وبأمرٍ مباشرٍ من رئيس الولايات المتحدة الأميركية، واضعاً المنطقة بأسرها على فوهة بركان لا أحد يدري موعد انفجاره، إلّا إذا كان ما حصل يقع ضمن الإيقاع المضبوط في لعبة تقاسم الأدوار والنفوذ.

 

الآراء الواردة في هذه الصفحة لا تعبّر بالضرورة عن رأي جريدة الأنباء التي لا تتحمل مسؤولية ما تتضمنه.