قطاع المصارف... بين الإصلاح وخراب الهيكل

المحامي حسام راسبيه |

وضعت سياسة الدولة المالية المصارف اللبنانية وجهاً لوجه مع المواطن، الذي يشعر أن هذه المصارف قد سرقت أمواله وودائعه (جنى عمره) وجعلته عاجزاً، يملك المال ولا يستطيع التصرف به لإيفاء إلتزاماته أو حتى إستخدامه لإستمرارية معيشته.

إن عجز المصارف عن تلبية حاجات زبائنها هو بسبب تحولها نتيجة الأزمة الراهنة وفقدان الثقة، إلى آلة لسحب النقود بحيث يعمد المودعون إلى سحب ودائعهم خوفاً من إفلاس المصارف أو توقفها عن الدفع لإيداعها في المنازل أو تحويلها إلى الخارج.

إن أي مصرف - لو كان "بنك أوف نيويورك"– يصبح في حالة عجز وإفلاس عندما يعمد جميع المودعين إلى سحب ودائعهم – التي يكون المصرف قد استثمرها في سندات الخزينة وفي إستثمارات متختلفة وفي تسليفات منحها للقطاع الخاص.

لفترة ما قبل ثورة 17 تشرين الأول 2019 كان القطاع المصرفي يشكل العامود الفقري للبنان، في ظل التشريعات والقوانين المصرفية ومنها قانون السرية المصرفية، بحيث قامت المصارف – التي أصبحت مقصداً للودائع والتحويلات الخارجية - محرك الإقتصاد اللبناني عبر توسيع الدورة الإقتصادية من خلال تسليفات وقروض مصرفية طالت كافة شرائح المجتمع التي سمحت بتملك السيارات الجديدة (Brand new) والشققق السكنية وإنشاء الصناعات الصغيرة والمتوسطة عبر برامج تقسيط مدعومة اعتمدتها، وكان المواطن متفاعلاً مع هذه التسهيلات التي رفعت من مستوى وطريقة معيشته (life style)، وراكمت في الوقت نفسه المصارف أرباحها. 

لكن الخطيئة الكبرى التي لا تغتفر، هي بتنفيذ تنافسها لإستقطاب أكبر قدر ممكن من الودائع سواء الداخلية أم الخارجية وربطها بعقود ذات آجال طويلة لمدة ثلاث أو خمس سنوات مقابل فائدة فاحشة بلغت حتى 18% ولو كانت هذه الودائع قد أُودعت في مصرف لبنان مقابل ربح قدره نقطتين أو ثلاث، والتي أدت إلى جفاف السوق وفقدان السيولة وعدمت الدورة الإقتصادية.

إن هذه الأزمة المالية، لا تتحملها المصارف وحدها بل سياسة الدولة المالية التي بسبب تعثرها إذا لم نقل إفلاسها، كانت تبتدع الوسائل لتأمين الأموال لتلبية إحتياجاتها وتغطية نفقاتها ومحاولة استبدال الدين الخارجي إلى داخلي، بدلاً من السعي إلى إصلاح ووقف مكامن الهدر من كهرباء أو خدمة دين عام أو سلسلة رتب ورواتب وفائض موظفين في القطاع. 

إن علاج هذه الأزمة المالية لا يكون بما يقوم به المواطنين من تصرفات وردّات فعلية فردية، ولا يكون بما يقوم به بعض المحتجين المطالبين بإسقاط حكم المصرف، هذا الأمر الذي أصبح هاجساً يقض مضجع المصارف والموظفين والمواطن على السواء.

إن إقفال المصارف - وهي أمنية أصحابها المنشودة -  ليست الحل وأبسط مثال على ذلك إقفال المصارف لمدة قاربت 17 يوماً، حيث أدى ذلك إلى شل البلد وتوقف الشركات على تأمين حاجات السوق اللبناني وإلى إفلاس بعضها وبطالة آلاف الموظفين من جهة أولى – وإلى نشوء دورة نقدية موازية عرّابوها الصرافون، وهي تكبر بسرعة ككرة الثلج وليس لها من ضوابط أو معايير أو سقف لتداول الدولار بل تحكمها حرية السوق القائمة على مبدأ العرض والطلب.

إن معالجة هذه الأزمة المالية في ظل عجز الدولة وغيابها، تكون بمساعدة المصارف على الإستمرار وتأمين الخدمات المالية ولو بالحد الأدنى، لأن إنهيار هذا القطاع من شأنه أن يؤدي إلى خراب الهيكل على رؤوس الجميع.