دور الكرامة والكرم

وهبي أبو فاعور |

في بداية تكوّننا الثقافي، في منتصف القرن الماضي، كنّا أجيالاً جديدةً ترتاد المدارس الرسمية، وبعض الخاصة للميسورين، فنتدرج في أصول اللغة والمعارف، وكان كتاب التاريخ يحمل في طيّاته سيَر البطولة الوطنية، والعربية، ومكارم الأخلاق، وسُبُل الرشاد، والأمثلة الفضلى للتضحية والوفاء، وقيَم البطولة والكرم.

ولكن السيَر الصالحة، والأفعال المجيدة، كنّا نتلقاها في غرف الشتاء، قرب المواقد والدواخين، فنتلقفها من السلف الصالح بعثاً للإيمان، وتمجيداً للكرامة، وإعلاناً للمكارم،وأمثلةً للقيم والعطف الإنساني منذ كانت بداية الخلق.

وفي هذا المجال لا يمكن لي أن أنسى كلام أقربائنا، ومشايخنا، وأهلنا، عن أمثلةٍ رائعة في المساعدة كانت تقوم بها دورٌ كريمةٌ يرتادها الأهل والمعارف من وادي التيم، وتحمل في أهدافها مرامٍ كريمة، وأمثلة ساطعة على صدق القيادة، وحلّ مشاكل الناس في الأزمنة السالفة.

أكثر هذه الدور كانت رمزاً لنصرة المظلوم من الحكام، أو من الأقدار، أو من الطبيعة. وكان مَن يلتجئ إليها يلقى الأمن من الخوف، والعدالة من الحاكم، والقوت من الجوع. ويأتي في مقدمة هذه الدور ثلاث، وهي دار المختارة، ودار الطيبة، ودار عرى. أمّا الأولى في ذهني فهي دارالمختارة، زمن السيدة الفاضلة نظيرة جنبلاط. وبحكم القربى والنسب كانت ترتبط عائلتي برباطَ محبة ودم مع أهالي جباع الشوف، وخاصةً آل حمّاد وسليم. وكانت يومها الزيارات موسمية في أوائل الصيف، أو خريفية، وفي المناسبات الاجتماعية. وكانت الطريق من الضيعة إلى الشوف تستغرق ما يقارب الساعات الثماني سيراً على الأقدام، أو امتطاءً للرواحل، والإنطلاق الباكر. وكانت المحطة الأولى في مزرعة النبي صفا عند آل محفوظ الكرام، ينطلق بعدها الوفد عابراً جسر البريمو وسط سهل القرعون الذي أصبح سدّاً في أيامنا هذه، ثم إلى المحطة الثانية عند أصدقائنا آل الساحلاني في باب مارع، ومنها إلى ثغرة مرستي، فتلفح الوجوه رياح المحبة والشهامة من موطن الأجداد في الأشواف العالية.

في كل زيارة لا بدّ من من زيارة تقديرٍ ووفاء للمختارة، وكانت تناسب نهاية الأسبوع في السبوت أو الآحاد، حيث يجتمع المؤيدون والأنصار من كل الجبل لحلّ مشاكلهم مع الحكام والإستزادة من حكمة السيّدة في مدّ يد العون المعنوي، أو المادي، لكل محتاج.

وأحدٌ لا يعود إلى بلدة دون أن يبارك زاد الدار، والرواحل من الخيول، والدواب تحظى برعاية السوّاس من أعلافٍ واهتمام.

أما أقاربنا من الخلوات، ومضيفوهم من جباع، فلم يكن ليُسمح لهم بالعودة إلّا بعد الممالحة من خير الدار. وكان إلقاء القصائد المؤيدة هو القالب الغالب لطلب الخدمة من السيدة الفاضلة. وممّا كان يحكيه أحد أعمامي أنّه في السير من جباع إلى المختارة كانوا يردّدون الحداء في كل الطريق باستثناء عماطور التي كان شبابها لا يحبّذون حداء المارّين في شارعها.
أمّا الدار الثانية، التي كانت لسان حال الأجيال السابقة من الأهل في منطقتي حاصبيا وراشيا، فهي دار الطيبة لآل الأسعد الكرام.

كان القطاع الثاني للإنتاج الزراعي في مناطقنا بعد زراعة  الحبوب هو تربية المواشي، وخاصة الماعز البلدي الذي كان يسوقه رعاته إلى بلاد بشارة في جبل عامل بدءاً من الناقورة ووصولاً إلى هضاب الساحل في طيرحرفا، والجبين، وياطر، والعشرات من قرى صور. وذلك النزوح القسري للإشتاء كان يتم خوفاً من تساقط الثلوج، وصيانةً للأرض المزروعة بالقمح والشعير في خرّاج قرانا.

كانت تشكّل دار الطيبة الإستراحة الأولى في رحلة التبديل بين الرعاة، وفيها يتم النوم والإستراحة قبل الإنطلاق إلى الساحل في اليوم الآخر. وكانت الدار داراً للكرم والإهتمام فالمنطقة خالية من الخانات الدارجة يوم ذاك.

فالوكلاء يستقبلون الرعاة ورواحلهم على الرحب والسعة. فللرجال الأكل والدفء والزوّادة، وللرواحل التبن والشعير والعلف.

والمرحوم أحمد بك كان يأتي للمضافة أواخر الليل ليطمئن إلى الضيوف، ويعتذر عن التقصير إن حصل، وكان يسلّم الشباب المدخنين كمية من الدخان الفلت وورق اللّف، إضافةً إلى ترويقة الصباح ممّا تيسر في مطبخ الدار.

أمّا الدار الثالثة التي طبعت ذاكرتي فهي دار عرى، دارٌ لمكارم العرب من كل الطوائف، وكانت ملجأً للفارين من الظلم والجوع، وطالبي الأمان، وهي التي بدأت تاريخها في العطاء منذ المرحوم إسماعيل الأطرش، وسطّرت أجمل فصولها أيام المحَن زمن الأميرالراحل حسن الأطرش. رواياتٌ كثيرة سمعتها ولا يمكنني الإفصاح عنها، وخاصة ما سمعته من زميل دراسةٍ في الجامعة الوطنية في عاليه سنة 1963، عن أحد أبنائها، الأخ غالب زيد حسن الأطرش. ولكن لا يبرح ذهني ما كان يحدّثني عنها شيوخ وكهلة من أبناء بلدتي في محنة المجاعة في الحربين العالميتين الأولى والثانية من القرن الماضي.

هذه الخاطرة أردت إيرادها شهادة صدقٍ وحق فيما يحاول بعض الخيّرين فعله في أيامنا من مد يد العون إلى المحتاجين دون منةٍ أو استغلال تحت شعار:

 الناسُ للناسِ من بدوٍ وحاضرة           بعضٌ لبعضٍ وإن لم يشعروا خدمُ.