بين تغريدة جنبلاط والحريري... ومعادلة العودة إلى السراي

02 كانون الثاني 2020 05:00:00 - آخر تحديث: 02 كانون الثاني 2020 08:34:23

قد تكون تغريدة وليد جنبلاط، أثارت بعض الحلفاء، الذين سارعوا إلى الردود على كلام تلميحي وتحذيري اعتاده جنبلاط، واعتاد الآخرون على استشرافه. لم يكن هؤلاء في وارد الردّ على كل الإتهامات التي طالتهم بشكل مباشر على مدى أيام وأسابيع وسنوات، من أطراف افترضوا أنهم أصبحوا في عداد الحلفاء، لكنهم لم يتركوا فرصة لم ينبشوا فيها قبور الماضي، ولم يتركوا فرصة لم يلحقوا فيها الأذى بتيار المستقبل ورئيسه، أو التصويب على الحريرية السياسية ويتهمونها بخراب البلد وسرقته، هؤلاء ربما لم يستمع إليهم الرئيس سعد الحريري، كي يردّ عليهم، لكنه مهجوس في كيفية الردّ على وليد جنبلاط.

من المؤكد أن هذا الطرف، والمقصود هنا هو التيار الوطني الحرّ، يخدم مصالحه بالتجني والفبركة والكذب ونسب إقترافاته لغيره، هذا الأسلوب المعروف والذي أصبح ثابتاً قد يكون لا يستحق الردّ وقد يكون الحريري مصيباً في عدم ردّه عليهم، ولكن ذلك يدفع إلى السؤال عن مسارعته للردّ على ملاحظة أطلقها جنبلاط، أثارته وأثارت حمية كوادره، فهل لأنها حقيقية؟ أم لأن جنبلاط الإستشرافي في رؤيته قد غرّد بما يفكّر به الحريري الذي أثير غضبه ربما لافتضاح مساعيه في إعادة الإلتحام مع التيار الذي نهشه وعصره إلى حدّ الخسارة؟

يوم بدأت إنتفاضة اللبنانيين في 17 تشرين، كان وليد جنبلاط أول من يقرأ بواقعية، واعتبر أن بعض الاطراف في السلطة يريدون الإمساك بها بشكل كامل، ولا يريدون لأي معارض لتوجهاتهم في الصفقات والمحاصصات والتسويات المصلحية أن يكون داخل الحكومة. كان جنبلاط واضحاً يومها وقال: "يبدو أنه غير مرغوب بنا في الحكومة لا نحن ولا للقوات"، ولذلك وجّه دعوة للحريري للخروج من الحكومة وتقديم الإستقالة والإنتقال إلى المعارضة وتسليم البلد. لكن الحريري رفض ذلك، مرّت 70 يوماً على موقف جنبلاط هذا، ليصل اللبنانيون إلى ما حذّر رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي منه في اليوم الأول للإنتفاضة.

فها هو التيار الوطني الحرّ يصفي حساباته مع الجميع، يعمل على تشكيل حكومة موالية له بالكامل، بعد إخراج الحريري من المعادلة حالياً، وتثبيت قواعد تجافي كل الشروط التي وضعها الرجل بغية العودة، فنجح التيار الحرّ وحزب الله في جعل الحريري أسيراً لمعادلة العودة، وها هم يشكلون حكومة تواليهم لكنهم يلبسونها ثياب الإستقلالية والإختصاصية، بينما الحريري سيجد نفسه مضطراً لانتظار مجيء الظروف المؤاتية لعودته إلى المعادلة التي كانت قائمة وكان الطرف الأضعف فيها، وربما ما أثاره هو كلام جنبلاط الإستباقي عن هذا الأمر.
 

قبل أسابيع وأيام، كانت عبارة جنبلاط بأن باسيل وحزب الله يريدون استبعاد خصومهم من الحكومة، غير واقعية أو قابلة للتصديق، وها هي تتراءى أمام أنظار اللبنانيين اليوم ويلمسونها، تماماً كما هو الحال بالنسبة إلى تغريدة جنبلاط حول التحالف بين الأزرق والبرتقالي والتي أزعجت الحريري الذي عاجل إلى الردّ. قد لا تبدو عودة العلاقة بين التيارين متاحة اليوم، لكنها بالتأكيد ستحصل فيما بعد وفق رؤية جنبلاط، الذي بالتأكيد انطلق في قراءته هذه من معطيات متعددة، وهو يعلم أن الحريري الذي يريد أن يعود رئيساً للحكومة سيكون ثمن عودته هذه المرة أقسى، فلذلك عبّر جنبلاط بقسوة، ولو عرف الحريري مصلحته، لما كان قد وصل إلى ما وصل إليه. ما يحذر منه جنبلاط يهدف للدفاع عن الحريري وموقعه ودوره، الذي فرّطت به التسوية، ونزولاً عند رغبات الجشعين فيها. دور جنبلاط هنا يكمن في حماية الموقع وليس الشخص فقط، حماية الدستور وليس مصلحة أحد. لعلّ الثائر الذي قال ذات يوم إنه خسر الثروة في سبيل الثورة، لا يضحي بالإرث (السياسي) في سبيل المصالح الآنية.