أزهرت في تشرين... هل تعقد في كانون؟

المحامي فاروق زهر |

حفِلَ هذا العام بأحداثٍ كبيرة جعلتْه مميزاً عن الأعوام السابقة. 

ابتداءً من التغيّرات الإقليمية التي اتضحت بعض معالمها في الخريطة الجديدة لتوزيع النفوذ الدولي والإقليمي على دول المنطقة الغارقة بدماء شعوبها من العراق إلى سوريا، وليبيا، إلى اليمن وفلسطين، حيث برز التناغم الروسي - الأميركي في تقسيم الأدوار، إما  بشكلٍ مباشر أو عبر خلق حالةٍ من التوازن بين النفوذ الإيراني، والتركي، والسعودي، والذي يضمن عدم تفوّق أي منهما على الآخر، وبالتالي يكفل عدم استقرار المنطقة، وعلى الأقل في المدى المنظور، وليبقى الكيان الصهيوني المغتصب وحده يعيش بسلام، واقتصاده في نماءٍ مستمر، وما يسمى بدول الممانعة ليست سوى أدواتٍ تخدم استمرارية بقائه.

وعلى الصعيد المحلي تمّت إنجازاتٌ عظيمة حفلَ بها هذا العام، فسقطت جميع الأقنعة الزائفة التي كان يلبسها النظام وأزلامه، وتهاوت معها جميع الوعود بما سُمّي الإصلاح والتغيير، وانهارت الأسس التي بُني عليها النظام من اتفاق الطائف إلى اتفاق الدوحة، وغرق البلد بالفساد السياسي والمالي، وخيّم نظام التفرّد، والاستئثار، والهيمنة على سياسة الدولة نتيجة التسويات المشبوهة التي عُقدت لتشرّع المحاصصة، وتوزّع الغنائم على حساب إفلاس الوطن وتجويع الناس، فسقطت مفاهيم المؤسّسات لصالح الأفراد، وذابت الدولة في الدويلة التي تمّ تفصيلها على قياس النظام وحلفائه، وأُطلق النظام البوليسي للقمع، ولِكمّ الأفواه، ولتلفيق التهم الجاهزة لتخوين الوطنيين، وتهديدهم بالسلم الأهلي عبر ضرب الإنجازات الوطنية الحقيقية، ومنها المصالحة الوطنية في الجبل، ومنعهم من تحقيق الإصلاح والتغيير الحقيقي، وذلك عندما تمّ رفض الوثيقة الإصلاحية التي تقدّم بها نواب اللقاء الديمقراطي.

نعم أزهرت في 17 تشرين، وكانت كلّ زهرة تحمل مطلباً محقاً. ناضلنا طيلة سبعين عاماً في الحزب التقدمي الاشتراكي لتحقيقها، لكن تركيبة هذا النظام كانت كافية لأن تُسقط في كل مرةٍ أحلامنا في تحقيق الدولة المدنية التي تسودها العدالة الاجتماعية.

نعم أزهرت في تشرين، لكن زهورها سرعان ما تساقطت في صقيع كانون، وظهرت بلونها الواحد الشاحب المظلم. والعقدُ يبقى أملاً ننتظره في الربيع الآتي مع براعم التغيير.