التمادي المستمر في تهميش دور ومكانة طائفة الموحدين الدروز

وسام القاضي |

أثناء دراستي في صف البكالوريا عام 1982، طُلِب منا أن نحفظ بعض الأبيات لأمير الشعراء أحمد شوقي، من قصيدة "سلام من صبا بردى أرقّ"، والتي نظمها حول ثورة سوريا الكبرى عام 1925، والتي عُرفت بثورة سلطان باشا الأطرش. وصودف وجود  والدي في الغرفة، فطلب مني أن أقرأ القصيدة الواردة في كتاب الأدب العربي، والمؤلفة من 36 بيتاً، فاستغربَ حذف خمسة أبيات من القصيدة المشهورة، والتي يتحدث فيها عن الدروز وصفاتهم.

هذا طبعاً جزءٌ من فيضٍ من الممارسات في النظام اللبناني العفِن على كافة المستويات، وعند كافة الاستحقاقات في تهميش دور ومكانة طائفة الموحدين الدروز. هذه الطائفة التي لم يكن لها يوماً مشروعٌ سياسيٌ خاصٌ بها، بل كانت تؤمن بترسيخ وجود الدولة منذ عهد الأمير فخر الدين المعني الكبير الذي حرص على التعايش وتطوير البلاد، مروراً بسلطان باشا الأطرش الذي رفض العرض الفرنسي بإقامة الدولة الدرزية مصراً على انتمائه لسوريا، وصولاً إلى كمال جنبلاط الذي خاض أشرس المعارك السياسية لتطوير البلاد وفق البرنامج المرحلي للإصلاح للحركة الوطنية اللبنانية وحتى يومنا هذا.

لم نكن لنطرح هذا الواقع المرير لو كنّا نعيش في دولة مدنية علمانية كما نادى بها كمال جنبلاط، بل أن من يتحكم بالسلطة في لبنان يجاهرون بشعاراتٍ فضفاضة حول تطوير الدولة نحو الدولة المدنية، بينما في الباطن يتقاسمون الحصص وفق انتماءاتهم المذهبية. فمنذ اتفاق الطائف، والذي تحقّق بعد التحوّل الجذري في القراءات السياسية للواقع اللبناني كنتيجةٍ حتميةٍ لمعركة سوق الغرب في 13 آب 1989، والتي خاضها أبناء الدروز كقاعدةٍ جماهيرية للحزب التقدمي الاشتراكي، بدأ تقاسم النفوذ والحصص في إدارات الدولة على حساب الدروز، ودخلت التسميات الجديدة لوزارات سيادية وغير سيادية. وطبعاً أُبعد الدروز قسراً عن هذه الوزارات تحت شعار تقاسمها بين الطوائف الأساسية الأربع، حتى أن مجلس الشيوخ، والذي ورد في اتفاق الطائف لم يبصر النور لأن الرئاسة ستؤول فيه إلى الدروز.

وامتد تقاسم الحصص بين كافة المذاهب الإسلامية والمسيحية على حدٍ سواء وفق نظام رجعي على حساب التمثيل الدرزي في كافة الحكومات المتعاقبة، تارةً تحت الشعار العددي لكل مذهب، وطوراً تحت شعار عدد الوزراء في الحكومة. ومع العلم أن لا إحصاء رسمي للسكان في لبنان منذ عام 1932، وإذا سلّمنا جدلاً بأن الدروز يشكّلون ثلث عدد الشيعة، وكذلك ثلث عدد السنة، فهذا يعني أن لكل 3 وزراء سنة و3 وزراء شيعة وزير درزي. أمّا ما يجري حالياً فهو مغايرٌ تماماً إذ يزيدون أعداد وزرائهم دون الأخذ بعين الاعتبار عدد الوزراء الدروز.

ومن جهةٍ ثانية، كيف يُصنَّف اللبنانيون وفق انتمائهم المذهبي؟ فإذا سلّمنا جدلاً بما يسمى ميثاق 1943، والذي كرّس الرئاسات الثلاثة للطوائف المارونية والسنّية والشيعية، فإنه من المرفوض إطلاقاً اقتسام ما يسمى بوزاراتٍ سيادية حصراً على تلك الطوائف، فهل هم أكثر انتماءً وطنياً من الدروز؟ وهل هم أكثر وعياً وإدراكاً وكفاءةً من أبناء طائفة الموحدين الدروز الذين كانوا رأس الحربة عند كل خطرٍ يُحدق بلبنان؟ عبر التاريخ، لم يرتبط الدروز يوماً بأي محورٍ خارجي، ولم يُمسك بقرارهم أي مرجعٍ دولي. إن ارتباطهم بالأرض التي يقيمون عليها يدفعهم للانتماء المطلق للدولة.
    
وتمّ وضع قانون الانتخابات المسخ الأخير في غياب أي تمثيلٍ درزي، وتمّت المشاورات بالتكليف، ومن ثم التأليف بدون أية مشاركةٍ درزية. وبغضّ النظر عن مَن سيمثل الدروز في الحكومة، فإن الدروز لم يكونوا يوماً "كمالة عدد" في البلاد. وحذارِ من النظر إليهم وفق عددهم، بل يجب النظر إليهم وفق تاريخهم المستمر حاضراً ومستقبلاً. 

شكِّلوا حكومةً كما تشاؤون، ولكن لا تلعبوا على التناقضات السياسية الدرزية، لأنه، وفي نظامٍ طائفيٍ بامتياز فإن كل الدروز يشكّلون سداً منيعاً لمن يريد الانتقاص من دورهم ومكانتهم. فإما أن تبنوا دولةً مدنيةً تساوي بين الجميع، أو انصفوا بين المذاهب.

ونختم بالأبيات المغيّبة لأمير الشعراء أحمد شوقي، والذي قال فيها:

وما كانَ الدروز قبيلَ شَرٍ             
وَإن أُخذوا بما لم يستحقوا
ولكن ذادةٌ وقراةُ ضيفٍ            
كيَنبوع الصفا خَشنوا وَرَقّوا
لهم جبلٌ أشمٌ له شَعافٌ     
مَوارِدُ في السحاب الجُونِ بُلقُ
لكل لَبوءَةٍ وَلِكُلِّ شِبلٍ                
نِضالٌ دونَ غايَتِه وَرَشقُ
كأنَّ مِنَ السَمَوأَلِ فيهِ شَيئاً            
فَكُلُّ جِهاتِهِ شَرَفٌ وَخلَقُ

*رئيس جمعية كمال جنبلاط الفكرية