إليكم الدستور الجديد بنسخته المشوهة!

29 كانون الأول 2019 08:35:00

يقول الباحث والكاتب الفرنسي المتخصص في الشؤون الاسلامية أوليفييه روا في كتابه الشهير "الجهل المقدس: زمن دين بلا ثقافة" (دار الساقي، بيروت، 2013) ما يلي: "العلمنة لم تُزل الديني، وهي إذ تفصل الديني عن بيئتنا الثقافية فإنها تظهره على العكس كديني محض (...)".

بطبيعة الحال، ليس المقصود من هذا الكلام الخوض الآن، وفي هذه اللحظات "الحساسة والدقيقة" (كما كانت دائماً في لبنان بالمناسبة)، في نقاش نظري حول العلاقة الملتبسة بين العلمنة والدين أو بين الثقافة والدين، والسعي لإسقاطها على الواقع اللبناني المأزوم والمتعثر إقتصادياً وإجتماعياً ومعيشياً ومالياً ونقدياً.

لكن المقصود الإشارة إلى أن الواقع اللبناني الراهن سببه بالدرجة الأولى النظام الطائفي والمذهبي (وليس الأديان التي يشكل تنوعها مصدر ثراء للمجتمع اللبناني واستحقاقاً يومياً للتأكيد على الحريات  في لبنان، وحرية المعتقد من أبرز تلك الركائز. هو النظام الذي عطل ويعطل كل إمكانيات بناء الدولة الحديثة القادرة وحدها على تبديد المخاوف والهواجس سواءً لدى الطوائف أم لدى المواطنين عموماً.

إن مشروع الدولة هو الوحيد الكفيل بجعل المواطنين سواسية أمام القانون، وأن تكون مرجعيتهم الأولى، لا بل الوحيدة، هي دولتهم ولكن طالما الدولة لم تقم، ستبقى منافذ التغلغل نحو تكريس مواقع القوى والنفوذ على ضفافها هي الخيار الأكثر تحكماً بالحياة السياسية والوطنية اللبنانية.

من أولى شروط قيام الدولة المرتجاة إحترام أركانها للدستور ورفضهم لتجاوزه، وليس تسخيره خدمةً لمصالحهم الشخصية او لحساباتهم الفئوية والخاصة.

وتأتي هذه الخطوة بعد مخالفة الدستور التي حصلت في مسألة الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس جديد للحكومة، إذ تجاوز رئيس الجمهورية صلاحياته ودخل في التأليف قبل التكليف مفاوضاً على طبيعة الحكومة وشكلها وهويتها.

لكن من الواضح أن رئيس الجمهورية لا يعنيه أن يكون على مسافة واحدة من اللبنانيين، متيحاً لصهره الحق في تشكيل الحكومة كونه أكبر تكتل نيابي، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: لو كان أي حزب سياسي آخر، غير حزب العهد، يملك أكبر كتلة نيابية. هل كان سيحظى بالجواب ذاته؟

الدستور ليس وجهة نظر!