الرأسمالية تجدّد أزماتها المالية!

د. وليد أبو خير |

لم تمرّ حقبة من التاريخ إلّا والعالم على موعدٍ مع أزمة مالية أو اقتصادية محرّكها النظام الرأسمالي المتوحش، وأبطالها الرأسماليون العبثيون. فلا يكاد العالم يخرج من أزمة إلا ويدخل في أخرى، وفي جميعها أزمات نقدية ومصرفية، كما عقارية، وديون سيادية.
فالنظام الرأسمالي الذي ظهر وكأنه المخلّص من النظام الإقطاعي، قد غيّر بالشكل الظاهري السلوكيات الإقطاعية. إنما، وفي المضمون فهو أسير المفهوم الإقطاعي، خصوصاً لناحية الإستئثار بالسلطة السياسية، والمال الاقتصادي، وبالتالي فإنهما وجهان لعملةٍ واحدة تحت تسميةٍ جديدة هي النيو- إقطاعية، أو ما يعرف بالطبقة البورجوازية. وهذا ما حدا بالفيلسوف الأممي، كارل ماركس، للقول إن الرأسمالي يحمل سلطته في جيبه.

وفي لبنان بدأت ملامح الرأسمالية تظهر منذ مطلع القرن التاسع عشر على أثر التدخلات الفرنسية في المنطقة. فبدأت الرأسمالية تتوغل إلى عمق الاقتصاد اللبناني من خلال تملّك الرأسماليين اللبنانيين لأكثر من 60 بالمئة من الشركات التجارية في لبنان، وبسطت شعارها الفاقع "الحرية الإقتصادية". وهذا ما أسّس إلى نظامٍ ليبرالي فوضوي، وحرٍ قليل القيود، وقائمٍ على اقتصادٍ ريعي. وقد وصف المفكّر الإصلاحي، كمال جنبلاط، هذه الحرية الاقتصادية بالقول: "كمن يعرض كيساً من الشعير للبيع، وقد كتب عليه عبارة "قمح صافي"".

وإذا أردنا تعداد المشكلات والأزمات التي سبّبها النظام الرأسمالي عبر التاريخ الحديث، فلا نتوقّف عند حدٍ معيّنٍ لكثرتها وتشابكها، ومن أبرزها: 

أزمة العام 1848 النقدية، والتي طالت الولايات المتحدة ودول أوروبا، والتي تجدّدت عام 1873، فضربت الأسواق المالية محدثةً خسائر فاقت الوصف.

أما الأزمة الكبرى عام 1929، والتي هزّت بورصة وول ستريت، واستمرت إلى العام 1933، فقد عُرفت بالكساد العظيم.
أما الفترة بين 1973 إلى 1982، فقد شهدت تدهوراً في معدّلات النمو الاقتصادي لاقتصادات الدول الصناعية المتقدّمة وصلت إلى 2 بالمئة، ورافقها ارتفاع في معدلات البطالة وصلت إلى حوالي 20 مليون عاطل عن العمل، وزيادة في معدلات التضخّم تراوحت ما بين 10 و25 بالمئة في كلٍ من الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان.

ولا بد من ذكر أزمة العامَين 2007-2008، والتي عرفت بأزمة الرهون العقارية حيث ضربت الولايات المتحدة، وامتدّت إلى بورصات العالم، فأدّت إلى انهيار كبريات البنوك العالمية، والمؤسّسات المالية الضخمة (ليمان براذرز هولدينغ، ميريل لينش).

وقد قدّر صندوق النقد الدولي عدد الأزمات للأنظمة الرأسمالية منذ 1970 إلى 2008، فبلغت حوالي 128 أزمة حقيقية.

وعلى الساحة المحلية، حيث بلغت الجرأة لدى الشعب اللبناني درجة أنه في 17 أكتوبر 2019 انطلقت الإنتفاضة الشعبية الوطنية ضد الفساد الرأسمالي المتغلغل في كيان الحكومة اللبنانية، والذي أدّى إلى انحلال الوضع المعيشي للغالبية الساحقة من اللبنانيين. فقد خرجت الإنتفاضة التشرينية من رحم معاناة الشعب تحت شعارات تجانِب وتحاكي العديد من مبادىء وأهداف أحزابٍ يسارية، وبالتالي فهي لا تشابه ما جرى ويجري من ربيع عربي في دول الجوار. فالإنتفاضة اللبنانية ليست حدَثاً، بل إنها نبض، والنبض هو المحرّك لصيرورة الجسم والعقل الثوري.

أما الناظر لمجريات الإنتفاضة الشعبية، فيلاحظ أنها بدأت بمطالب حياتية ومعيشية، والتي لم تستطع السلطة السياسية الإمساك بها، أو كسر مفاصلها. فبدأت بالطَرْقِ على الوتر عينه، وهو التهويل على المنتفضين بإحداث فجوةٍ اقتصادية أكبر، والتي تبرهن على استخدام الاقتصاد لأجل السياسة. فخرجت أصواتٌ سياسية تبشّر بانهيارٍ اقتصادي فيما لو استمرت الإنتفاضة، كما عزفت على انهيار العملة المحلية، وكأنها تصوّر لهم أن الإنتفاضيين هم سبب هذا الإنهيار. في حين أن المتتبّع لمجريات الأحداث يلاحظ أن التحضير لافتعال أزمةٍ مالية بدأ مبطّناً منذ بروز النفط والغاز اللبنانيين، والذي حرّك الغرائز لدى الرأسماليين الداخليين، والمهتمّين بهذا القطاع، لما يحمله من ربحيةٍ ترضي جشعهم. ومن هنا، حسبنا أن الوضع اللبناني ليس وليد الصدفة.

ومن جانبٍ موازٍ، تخرج التحليلات من منظّري الرأسمالية بأنه، وفيما لو لم يتم تشكيل حكومة، فإن اقتصاد لبنان سيدخل مرحلة الكساد، وهي الأخطر بعد مرحلة الركود، والتي تعني بعِلم الاقتصاد أنها المرحلة التي قد تطول بمددها الزمنية. وهذا ما سيؤدي إلى بروز أزماتٍ جتماعية، ناهيكَ عن كبر حجم كرة ثلج الدَّين العام التي تؤثر على البنية الاقتصادية اللبنانية.

وفي السياق المتصّل، حيث من الطبيعي أن أي دولةٍ تمتلك ثروة نفطية (دون الحاجة إلى التنقيب عنها) بحيث تأخذ بها وكالات التصنيف الإئتمانية، والتي تعتبر أن الدولة تستطيع الإيفاء بديونها مستقبلاً، ذلك أن ملف النفط عموماً هو المحرّك لوكالات التصنيف، والذي على أساسه تُصنّف الدولة. لكن ما تعرّض له لبنان من تخفيضات للإئتمان مؤخراً، ورغم وجود نفط في مياهه، يستدعي البحث والتساؤل.
هذا وقد عملت منظومة الرأسمالية اللبنانية، وبمساندةٍ من مافيا المصارف المحلية، على تجفيف العملة الأجنبية من السوق اللبناني، مما حدا إلى تخطي سعر صرف الدولار في السوق السوداء عتبة ال 2000 ل.ل. والذي، بطبيعة الحال، زادت معه أسعار معظم السلع الأساسية ما بين 30 و 50 بالمئة، وهكذا أمسى الأمن الغذائي مهدّداً. وهذا ما أفقد رواتب الموظفين ما يربو عن 40 بالمئة من قيمتها الشرائية.

خلاصة الكلام، أن الرأسمالية تجدّد نفسها بحضورها على الساحة الاقتصادية اللبنانية من خلال أزماتها المالية والاقتصادية، والتي ضربت هذه المرّة عمق الاقتصاد اللبناني. فالقطاع السياحي في لبنان تراجع بنحو 90 بالمئة، وبالتالي أدّى إلى فقدان حوالي 10 آلاف فرصة عمل فيه. وشركات تأجير السيارات أقفلت بمعظمها بالكامل، مما يفصح عن فقدان الأمن المالي والاقتصادي في لبنان.

وفي الختام، نعود إلى أدبيات فكر الحزب التقدمي الاشتراكي، والتي أشارت إلى أن الرأسمالية هي الطريق إلى الفوضوية، والتي تضرب في طريقها كل نظامٍ، سواء اجتماعي أم اقتصادي من خلال المبدأ الرأسمالي القائل: "دعه يعمل، دعه يمرّ"، والذي تسيطر فيه شريعة المنافسة، والإثراء اللّا- محدود وغير المشروع، والربح بلا قيود...، وبمعنى أعم وأشمل هو زوال وانحلال أي دورٍ للأخلاق.


(*) خبير في قانون المحاسبة لدى المحاكم التجارية