ومنكم نتعلّم احترام الدستور!

رامي الريس / نداء الوطن |

لم تكن علاقة "التيار البرتقالي" ومؤسسه مع الدستور والقوانين على ما يرام في كل المراحل السابقة، حتى تلك التي سبقت التأسيس الرسمي للتيار ودخوله الفعلي للحياة السياسية اللبنانية، وهذه أبرز المحطات:

1 - سنة 1988، كلف الرئيس أمين الجميل المنتهية ولايته قائد الجيش العماد ميشال عون رئاسة حكومة انتقالية، توفر الظروف المناسبة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية تضم أعضاء المجلس العسكري. بعد دقائق من صدور المرسوم، قدم "الوزراء" العمداء المسلمون أعضاء المجلس استقالاتهم فبقي العماد عون واللواء عصام أبو جمرا واللواء الراحل ادغار معلوف في مواقعهم، وتولوا "الحكم" من دون اعتبار للميثاقية (عدا عن غياب النصاب القانوني لتلك "الحكومة" بعد استقالة نصف أعضائها!).

2 - سنة 1989 خاض العماد عون حرب "التحرير" تلتها حرب "الالغاء" متناسياً تماماً الأسباب التي كلف بها إدارة "المرحلة الانتقالية"، التي كان يفترض أن تفضي إلى انتخاب رئيس جديد للجمهورية. وخسر لبنان بشرياً واقتصادياً جراء هاتين الحربين من دون أن تتحقق الأهداف أي التحرير والالغاء. فالجيش السوري دخل إلى قصر بعبدا والمناطق التي لم يكن قد دخلها بعد، فيما حافظ الطرف الآخر "القوات اللبنانية" على وجوده (ولو أنه تعرض لاحقاً للتضييق في حقبة الوصاية السورية كما هو معروف).

3 - تمّ تعطيل كل محاولات التسوية السياسية لإنهاء الحرب بدءاً باللجنة السداسية العربية التي ترأستها الكويت وصولاً إلى اللجنة الثلاثية العربية، فصدر القرار العربي والدولي الكبير بإنهاء الحرب في لبنان من خلال اتفاق الطائف الذي تحول إلى دستور رفض أيضاً من قبل العماد عون، لأنه لم يفضِ آنذاك إلى انتخابه لرئاسة الجمهورية (والدليل أنه قَبِل به سنة 2016 عندما انتخب على أساسه للكرسي الرئاسي، من دون أن يفهم اللبنانيون لماذا رفضه ولماذا قبله والاتفاق بقي ذاته ولم يعدّل فيه حرف واحد!).

4 - واجه ما أسماه "السلاح غير الشرعي" وقصد به سلاح "حزب الله" وصولاً إلى وصفه بـ "الإرهابي" قبل عقد صفقة العودة من باريس، فسحب المصطلح من أدبيات "التيار" وخطاباته وتوّج تحوله بعقد وثيقة تفاهم مار مخايل سنة 2006، وناقض مضمونها كل المواقف السابقة لـ "التيار" حيال هذه القضية وفي طليعتها عدم القبول بوجود سلاح غير سلاح الجيش اللبناني، الذي لطالما تغنّى "التيار" بأنه "ولد من رحمه"؛ ناهيك عن أن "التيار" ذاته كان في طليعة المرحبين بأحداث 7 أيار 2008 معتبراً أنها "ستصحح المسار"!.

5 - التعطيل المتمادي لأشهر عدة لتأليف الحكومات في عهد الرئيس السابق ميشال سليمان، للتمسك بتوزير من رسب في الانتخابات النيابية في دورات متتالية، ناهيك عن الاصرار على حقائب معينة دون سواها، وإعلان أسماء الوزراء من الرابية قبل ولادة الحكومة رسمياً من القصر الجمهوري، بما يتخطى ليس فقط الأصول بل اللياقات السياسية والبروتوكولية.

6 - تعطيل إصدار مراسيم المباريات التي يجريها مجلس الخدمة المدنية تحت ذريعة غياب التوزان الطائفي في الفئة الأولى دون سواها، بانتظار الغاء الطائفية السياسية التي يبدو "التيار" الأكثر تمسكاً بها بما يضيق مساحات الخطاب الوطني ويفاقم الخطاب الطائفي.

7 - تسجيل سابقة جديدة من خلال تأخير الدعوة للإستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس حكومة لتشكيل الحكومة الجديدة، فلم يسبق أن مضى نحو شهرين بين استقالة رئيس حكومة وإجراء الاستشارات لتسمية خلفه، تحت ذريعة التشاور المسبق، فإذ بالرئيس المؤتمن على الدستور يخرقه من خلال الخوض في طبيعة الحكومة وهويتها وشكلها وعدد أعضائها قبل تكليف رئيسها، في حين أن هذه المسؤولية تقع على عاتق الرئيس المكلف.

8 - أخيراً، وليس آخراً، صار بإمكان رئيس أكبر كتلة نيابية تشكيل الحكومة، إنه درس يوم الميلاد، ونترقب الدروس المقبلة في الدستور والقانون والأصول!

لو تتسع المساحة المخصصة لهذه المقالة للتذكير بالمزيد من المحطات، لكان توفّر العديد من الأمثلة الإضافية التي تؤكد أن الهدف الوحيد لـ"التيار" هو السلطة دون سواها، أما عبارات الإصلاح والتغيير، فقد عفا عليها الزمن!