ثورة وطنية بغياب السياسة

23 كانون الأول 2019 14:18:00 - آخر تحديث: 23 كانون الأول 2019 14:18:58

المشهد الجامع الذي تجلى في لبنان منذ 17 تشرين أول، شكّل بداية مرحلة جديدة بلا شك لا يستطيع أي مراقب إنكار تأثيرها وتداعياتها، وأدخلت الى الوضع اللبناني عنصراً مؤثراً يرخي ظلاله، وألزم جميع المكونات السياسية اخذه بعين الاعتبار.

رفعت هذه الثورة شعارات غلب عليها الطابع الوطني العام، بعيداً عن التفاصيل والتمييز في النظرة بين مكونات القوى السياسية اللبنانية، تعبيراً عن سخط ويأس اللبنانيين من الواقع المتردي الذي وصل اليه الوضع سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

ربما من السهل بمكان الهروب من تحديد المسؤوليات وتحديد الأسباب عبر مقولات لها تأثير كبير على الجمهور مثل شعار "كلن يعني كلن" الذي في الظاهر يوحد المنتفضين ويمنع النقاش الذي يؤدي الى تشرذمهم. لكن وبعيداً عن سوريالية المشهد وسحر هذا الخطاب، كأنه أمل، يفتقر للواقعية بمكانٍ ما، بمستقبل سياسي جديد عبر منظومة حكم مختلفة مبنية على الكفاءات وأهل الاختصاص، فإن ما يغيب عن أذهان المؤثرين في هذه الثورة أن أحزاباً وقوى سبقتهم الى تلك المطالب والشعارات منذ اكثر من خمسين عام، وأسست لوعي حقيقي للمواطنة الحقيقية ولفكرة وطن ديمقراطي علماني يحترم المساواة الانسانية، وعلى رأس تلك القوى الحزب التقدمي الاشتراكي، والمؤمنين بفكر المعلم الشهيد كمال جنبلاط الذي ذهب ابعد من مطالب الثورة الحالية في مقاربته الجريئة للواقع اللبناني الذي لم يتغير في جوهره منذ ذلك الحين حتى الآن بجزء كبير منه.

 استقلالية القضاء، قانون من اين لك هذا، محاسبة الرؤساء والمسؤولين، فصل الدين عن الدولة، الحد من الثراء الفاحش، اقتصاد منتج لا يقوم فقط على الخدمات .... وسواها من الشعارات المرفوعة حاليا، كان المعلم رؤيوياً وسبّاقاً في طرحها، وما زالت الركن الاساس في أدبياتنا السياسية ومطالبنا، رغم ما لحقنا من ضرر بالمشاركة بالحكم والوزارات المتعاقبة.

السؤال إلى متى تستطيع هذه الثورة إنكار التلاقي الموضوعي، سيما وأن الأحداث تتوالى لتؤكد هذا التلاقي، وليس آخرها لائحة الشرف التي ضمت بمعظمها نواب اللقاء الديمقراطي التي صوتت للمرشح الاقرب للحراك، السفير السابق نواف سلام.

الى اين ستصل هذه الثورة دون مقاربة موضوعية عميقة للواقع السياسي اللبناني؟ 

تطالعنا مقولات مضحكة عن سعي الحزب التقدمي الاشتراكي للالتحاق بالثورة فيما تاريخه شاهد منذ عقود على هذا النضال الطويل ...

ورغم كل شيء يبقى الأمل كبيرا.