استباحة الأملاك العامة البحرية سرقة لنفط السياحة

محمود الأحمدية |

جاء في كتاب التنظيم المدني في لبنان للمهندس محمد فواز حرفياً: إن لبنان هو البلد الوحيد في العالم حسب علمنا الذي يسمح لأشخاص بإشغال الأملاك العامة البحرية حصراً ويمنع المواطنين من الوصول إلى البحر بحريّة.

والمهندس محمد فواز غني عن التعريف وقد بقي مديراً للتنظيم المدني ثمانية عشر عاماً ما جعله يشهد بشكل شخصيٍّ وعملانيٍّ على هذه الكارثة بحق البحر والشاطئ والبيئة.

قبل أن أفكّر بمقالتي هذه عن الأملاك العامة البحرية كنت أعلم جيداً أن هذا الملف من أصعب الملفات، وأن الحيتان المالية والسلطوية الذين يستفيدون بثروات هائلة تعدياً وحراماً وفساداً قد أغلقوا كل الأبواب على مدار عشرات السنين على مطلق ايّ حل. وجاءت الحرب اللبنانية وازدادت شهوة السيطرة على الشاطئ وقامت مئات المشاريع الوقحة زوراً وتعدّياً، منها ما لم يرخص ولكنه لم يمتثل للشروط التي على أساسها تمّ الترخيص له؛ و من الاساس نحن نعلم بأنه حتى مجرد الترخيص هو باطل وغير قانوني نسبة لأن هذه الأملاك أملاك عامة ملك حلال زلال للناس.

وقليلون الذين يدركون بأن رمال هذا الشاطئ الجميل من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال و بأن الشاطئ نفسه هو مرتع حقيقي لاستقبال كل الناس ... مثالاً على ذلك في مدينة نيس الفرنسية والريفييرا الفرنسية بالذات وهي من أجمل شواطئ الدّنيا لا يحقّ لأفخم الفنادق العالمية على شاطئها أن تمنع الناس من ارتياد الشاطئ، وهم على المستوى نفسه من الحقّ ارتياده من نزلاء هذه الفنادق ... وهذه الحماية لحق الناس كلّ الناس جعلت من شاطئ الريفييرا جنّة حقيقيّة يختلط فيها كل أجناس البشر ... ما يرفع المستوى السياحي إلى أعلى الدرجات...  

ومن المؤلم حقاً أن نعلم بأن قسماً من هذه المشاريع الخاصة في لبنان والممنوعة قانوناً قد قامت على ردم مساحات كبيرة من الأملاك العامة البحرية غيّر المعالم الطبيعية ... ولم يبق متنفساً للناس ، فكتل الباطون الضخمة تشكّل جداراً كثيفاً موازياً للبحر ما يسبب تهديماً للشاطئ وتغييراً لمعالمه ... هذه الشواطئ والرمال والبحار هي نتاج توازن بيئي وتغيرات جيولوجبة امتدت على ملايين السنين وجاء الإنسان ودمّر هذا المنظر الرائع بكل خفة وقلّة مسؤولية طمعاً بحفنة من الدولارات ... رمال شواطئنا اغلى من الذهب فالذهب تبيعه لمرة واحدة ولكن رمال هذه الشواطئ تستفيد منها سياحة ورياضة بحرية وأناساً ومناخاً مئات المرات ... 

إن نفط لبنان سياحته، ونقطة البيكار في دائرة سياحته هي هذه الشواطئ ... نظرة بسيطة إلى الدول المتقدمة في مجال سياحة البحر والشاطئ على سبيل المثال لا الحصر : اسبانيا ، اليونان ، فرنسا، إيطاليا ، مقياس نجاحها السياحي يعود وبشكل مباشر إلى قدرة استيعاب شواطئها من السياح... في لبنان نرى تحول الشاطئ إلى مجموعة من النوادي الخاصة والمساكن الثانوية يملكها أشخاص معنيّون ولا يستطيع التّمتع بالبحر إلّا من كان مالكاً أو مشتركاً، أمّا المواطنون العاديون فليس لهم مكان في هذه النوادي وكذلك السّياح ليس لهم مكان وعليهم أن يفتشوا عن بحر آخر... 

بربّكم أليست هذه السياسة السياحية عبارة عن استباحة سياحيّة من قبل عدد من الرؤوس الحامية المصانة والمحمية على طريقة أنا ومن بعدي الطوفان؟