الحراكات الشعبية وإشكاليات الحريات

18 كانون الأول 2019 08:23:25

يستأثر الحديث عن الحريات العامة بمساحات واسعة في وسائل الإعلام، وتتحدث عنها المعاهدات الدولية ذات الصلة، كما الدساتير والقوانين المحلية في الدول المستقلة. وتستند إلى شعارات الحرية أغلبية الاعتراضات الشعبية، وحماية الحريات العامة مطالب عارمة لكل الثورات الشعبية التي حصلت، أو تحصل في العديد من البلدان.

يضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 لكل فرد مهما كان انتماؤه العرقي أو الديني الحق في الحياة والحرية والأمان على شخصه، وهو لا يخضع بمناسبة ممارسته حقوقه وحرياته إلا للقيود التي يحددها القانون، وهذه القيود هدفها حصراً احترام حقوق وحريات الآخرين والنظام العام.

في المُشاهدات التي تمَّ رصدها إبان الاعتراضات الشعبية الواسعة التي شهدتها أكثر من دولة، ولا سيما في المنطقة العربية؛ يمكن تسجيل مجموعة من الملاحظات الجوهرية التي يمكن البناء عليها لتصويب بعض المفاهيم المتداولة، ذلك من باب الموضوعية العلمية التي قد تصيب طرفي النزاع على حدٍ سواء، من دون أن يكون الأمر بمنزلة المحاباة لفريقٍ في مواجهة فريقٍ آخر.

من المؤكد أن مُعظم الاعتراضات الشعبية التي تحمل مطالب معيشية مُحقة، بالغت في بعض الأحيان في ممارسة الحق بالتعبير عن الرأي، وفي حرية التظاهر والاحتجاج، لأنها أغفلت - وربما عن غير قصد - حق الآخرين في ممارسة حياتهم العادية التي لا يمكن أن تتوقف، خصوصاً لناحية حرمان بعض الناس من حق الوصول إلى أماكن توفير سُبل الحياة. كما استخدم بعض المتظاهرين - أو المستغلون من بينهم - أساليب غير ديمقراطية أسهمت في تشويه نقاء تحركهم، لأنهم مارسوا بعضاً من التضليل في دعاياتهم الإعلامية، ومارسوا الشتم والقدح والذمّ على نطاقٍ واسع ضد منافسيهم من أطراف السلطة، أو من القوى السياسية المنافسة. وفي كل ذلك بعض التعدي على حقوق وحريات الآخرين، وهو أسهم في تشويه المنطلقات الصافية التي تقف وراء التحركات الشعبية. ويمكن إدراج بعض الأمثلة على هذه الوقائع في ما حصل من أعمال غير إنسانية حصلت إبان تظاهرات بغداد، ولا سيما في حادثة ساحة الوثبة، أو في ممارسة العنف الكلامي والجسدي ضد رجال الأمن في بعض ساحات بيروت، كما في استخدام الميديا المُضلِّلة على شاكلة واسعة، والتي لا تحمل أحياناً معلومات واقعية، وهو ما يعتبر تعدياً على حقوق الآخرين المعنوية.

أما على الضفة الأخرى من المواجهة؛ فقد مارست أجهزة الدولة أو المحيطون بها من قوى الأمر الواقع تجاوزات هائلة وصلت إلى حد قتل المتظاهرين، تحت شعار الحفاظ على الانتظام العام وعلى حرية التنقل وعلى سيادة القانون كما جرى في العراق. واعتقد رموز هذه السلطات أنهم يستطيعون التلاعب في الأولويات الوطنية لدى الشعوب، ومن ثم تظهير الصورة وفقاً لما يرغبون، وليس وفقاً لواقع الحال، بمعنى: أن هذه الفئات الحاكمة كانت كمن يكذب الكذبة ويصدقها، أو على أقل تقدير كانت تفترض أن الشعب الذي يئنُّ تحت ضغوط صعوبة العيش يمكن أن يُصدِّقها، فاكتشفت أن ذلك مجرد ضرب من ضروب الخيال؛ «فإذا غنيت للجائع سمعك في معدته»، وفقاً لوصف المفكر اللبناني الراحل جبران خليل جبران.

والبارز في المرحلة الماضية أن الرقابة الدولية على الانتهاكات التي طالت الحريات العامة لم تكُن على قدر المأمول. والمراجع المعنية في هيئة الأمم المتحدة، كما اللجان الدولية التي تعتني بحقوق الإنسان، اكتفت بإصدار بعض البيانات المستنكرة، ولم يتحرَّك المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية قط للادعاء على الذين ارتكبوا جرائم إنسانية بعد مواجهتهم للمتظاهرين في أكثر من مكان.

إن تطور وسائل التواصل الإعلامي والاجتماعي لا يبدو أنه أسهم مساهمة حاسمة في حماية الحريات العامة، لأن التضليل فعل فعله في قلب الحقائق على الرغم من بعض الدلائل الدامغة التي تُشاهد مباشرةً من أرض الحدث. وقد مارس لعبة المبالغة في استخدام وسائل الاتصال الحديثة كلا الفريقين المتخاصمين، وكانت المبالغة في الاعتماد على هذه الوسائل من قبل المتظاهرين خطأ جسيماً، لأن السلطة في بعض الدول وصلت إلى حد تعطيل الاتصالات الإلكترونية برمتها.