رجاء تخلوا عن عقدكم واقرؤوا كمال جنبلاط ولو لمرة واحدة

علاء لؤي حسن |

ثمانية أشهر مرت على تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة، وما زالت الأمور تراوح مكانها! عقدة تلو الأخرى والبلد يحتضر اقتصادياً واجتماعياً، فيما بعض السياسيين يعيشون حالة من التناتش السياسي والتهافت على المواقع دون أن يبصروا الثقوب في السفينة.

جوهر العلة يكمن في أزمة النظام السياسي الطائفي العاجز عن حل أبسط المشاكل وتأمين حياة كريمة ولائقة للشعب. هذه الأزمة ليست بالحديثة، فهي بالواقع تعود إلى العام 1845، عندما كرس نظام القائم مقاميتين، مروراً بعد ذلك ببروتوكول عام 1861 وتعديلاته. ولقد بات معروفاً أن الطائفية السياسية هي المسبب الأول لمختلف الأزمات التي مر بها لبنان في تاريخه. وهي التي فرّغت النظام الديمقراطي في لبنان من مضمونه، ومن هنا فإن تغيير النظام السياسي بات أمراً ملحاً. كان سقف السياسة اللبنانية ينحصر في "إدارة التعايش بين اللبنانيين" بدأً من ميثاق 1943 الذي نظم الطائفية السياسية في لبنان مروراً بالتفاهم المصري الأميركي عام 1958 التي أتى بفؤاد شهاب رئيساً للجمهورية واتفاق القاهرة العام 1969 وصولاً إلى "اتفاق الطائف" تلاه "اتفاق الدوحة". وجراء هذا الشلل في ممارسة السياسة كمدخل لتحقيق المصالح الوطنية دفع العرب بالقضية الفلسطينية ليحمل لبنان أثقالها بعد أن تخلوا عنها. وكان أبرز تجلياتها انتقال منظمة التحرير الفلسطينية إليه فأغلقت كل الجبهات في وجه "العمل الفدائي" آنذاك من غور الأردن إلى هضبة الجولان ليصبح خط الهدنة "اللبناني  ـ الإسرائيلي" هو الجبهة العربية الوحيدة الملتهبة. ومن المفارقات أن لبنان ما زال دون سواه! يحمل على كاهله هذه القضية وإن تعددت الأشكال والمسميات.

لقد جاء اتفاق الطائف على قياس عرابيه وهو بلا شك أفرز نظاماً غريباً عجيباً فريداً من نوعه بحيث لا يمكن لعجلة الدولة أن تدور من غير وجود "راعي إقليمي" كان النظام العربي آنذاك قد ارتضاه "وصيّاً" على لبنان. والآن وبعد تغير المعطيات الإقليمية أصبح لبنان بحاجة إلى نظام جديد. ولقد علمتنا تجارب التاريخ أن أي وضع لبناني كان نتاج تسوية دولية وإقليمية تُطبخ في الخارج تأتي على حساب حرية البلد وسيادته، والمثال القريب ما حصل بعد اتفاق الطائف. لذلك فمن العقل ومن الحكمة أن يسارع اللبنانيون إلى ارتضاء نظام لهم.. نظام حديث وعصري يُخرج لبنان من مأزقه التاريخي إلى رحاب الدولة الحقيقية بكل معنى الكلمة وذلك قبل أن تأتي الطبخات الدولية وتفرض عليه تسوية ما. 

ولكن من أين نبدأ؟... أظن مكانين هما: الأول أن لا يتصور أحد في لبنان أن (انتصاراً إقليمياً) ما يمكن لطرف لبناني أن يجني ثماره. فالقاعدة الأساس في لبنان أن لا أحد يمكن أن يلغي أحداً، والدليل ما حدث عام 1958. فبالرغم من الزخم الناصري الكبير الداعم لكمال جنبلاط، فقد انتهت ثورته آنذاك بلا غالب أو مغلوب. عاد كمال جنبلاط قوياً بعدها وبقي كميل شمعون حاضراً وبقوة في الحياة السياسية اللبنانية ومفاصلها. والمكان الثاني هو في العودة لقراءة كمال جنبلاط من جديد، فلسفةً وفكراً سياسياً. حبذا لو يتمعن البعض من سياسيينا في هذين القولين للمعلم:

 "إنَّ العمل بحدّ ذاته علاقة قائمة بين أنانيتك، الأنا الظاهرة، والشيء الذي تقوم به. لذلك إن نظرت إلى هذه العلاقة بتجرّد من غير الحرص على أنانيتك، عملت بفكر صافٍ خالٍ من الانحراف والانجراف العاطفي، وهكذا يكون العمل لديك لأجل العمل لا لأجل نفعه وفوائده". أما بعض مراهقي الساسة الصاعدين! الذين نراهم هذه الأيام يستمدون حضورهم من اجترار مقولات تافهة عن "حقوق الطائفة" بإثارة الغرائز. على هؤلاء أن يقرؤوا بعقل بارد وصافٍ كلمات كمال جنبلاط: "إن الذي يستحق كلّ العناية، هو إثارة الناس في أعماقهم، لا تحريك سطحياتهم، لأن ثورة الأعماق تبقى، أمّا ثورة السطح فتذهب بها الزوابع". 

أيها الساسة، تخلّوا عن عقدكم الطائفية، ولو لمرة واحدة، وحده لبنان يضمن وجودكم أعزاء مرفوعي الرأس وليس مستلحقين لاهثين وراء الخارج، أياً يكن هذا الخارج.