النار في ثوب أبي

د. قصي الحسين |

لا تنفصل مشاهد انتحار الآباء في لبنان احتراقاً بالنار هذه الأيام، كثيراً عن مشاهد احتراق الأوطان. يحترق الأب أمام أطفاله، وهم ينظرون إليه، تماماً كما يحترق لبنان وأبناؤه ينظرون إليه.

مشاهد كثيفة التعبير عن أمرين أساسيين: عجز الابن الطفل عن إطفاء ثوب أبيه. وعجز الوطن الطفل عن إطفاء النار فيه.

وكما يقف الناس، يتحسّسون عجزهم، عن النيران تأكل أجسادهم: جوعاً، وغرقاً، واختناقاً، وتلوثاً، ومرضاً، وضرائبَ وفساداً، وسرقةً وسرّاقاً؛ يقف العالم أجمع يتحسّس عجزه عن النيران تأكل لبنان، (كما سوريا، والعراق، وفلسطين، وليبيا، واليمن، والسودان، والصومال) غربه، وشرقه، وشماله، وجنوبه، وبحرَه، وبرّه، وسماءه وقيعانه.

نسمع الآباء يتهمون دولتهم، بإداراتها، وسياسييها، وحرّاسها، ومجالسها، وطواقمها، وبطاناتها، ورؤسائها، وقياداتها، ومصرفها ومصارفها، وصيارفتها.

ونسمع آباء الساحات كلها يتهمون دولهم، بمجالسها ورؤسائها وجيوشها ومخابراتها وقطاعاتها ومصارفها، وصيارفتها، وخططها، ومخططاتها، ومطامعها، وأطماعها، وجواسيسها، وجنرالاتها، وأحلافها، ومخازنها، ومعاملها، وأسلحتها، وقطاعاتها، وخططها، بحراً، وبراً، وجواً. وفي الأعماق الأعماق، وفي الصحارى، وفي السواحل، وفي حقول النفط، وفي التلال المرط.

يعجز الطفل عن نجدة أبيه. ويعجز العالم الطفل عن نجدة لبنان: الوطن الطفل. 

ويستمر المتطفلون، الجشعون، الكواسر،  هنا وهناك،في نهب لقمة الفقراء والضعفاء، وفي نهب قطرة الماء. وفي نهب نور السماء.

ويستمر المتطفلون المتآمرون الجوارح، هنا وهناك، في نهب الأوطان والبلدان، وفي نهب الشعوب، وسرقة الأرض، والسطو على البلدان.

وتستمر إرادة الحياة تمطر على أثواب الفقراء المشتعلة، لإطفائها.

وتستمر إرادة الشعوب، تحتشد في القلوب لإطفاء غليلها، حتى ينقلب السحر على الساحر. 

فيقرأ رجل التاريخ في كتابه، ولو بعد ألف حين وحين: خسأ المتآمرون، إنهم حتماً لمنتصرون.
 

(*) أستاذ في الجامعة اللبنانية