كيف تنهار الدول؟

وهيب فياض |

عندما أطلق العالم على السلطنة العثمانية لقب رجل الشرق المريض، لم تأتِ التسمية من فراغ. 
وعندما طمع العالم في إرثها، كان يتوقع أن الوفاة قريبة. 
وعندما دخلت الحرب، ضحك الطامعون من صميم قلوبهم، لأنهم أيقنوا أن الإرث أصبح في متناول اليد. 
دولة تبيع السلطة بالمفرق للمقاطعجي الذي يدفع أكثر، حتى ولو جمع المال من دم وعرق من وُلّي عليهم. 
دولة يفرض عسكرها على شعبها نظام الحوالة، فسيطر على ما في البيوت من زرع وضرع، ويغض الطرف لقاء رشوة ولو كانت دجاجة أو  بيضة دجاجة. 
دولة يتحول وزراؤها إلى  سماسرة مناصب. 
دولة يكثر فيها قطاع الطرق، وكلهم يدعون الدفاع عن الناس، في وجه الطغمة الحاكمة، وفِي المساء يتقاسمون الغلّة معهم. 
دولة صدرها الأعظم مصاب بداء ذات الصدور، وهيبته إلى  ضمور. 
دولة سلطانها أسير حاشيته وتنابله، هؤلاء لا يُصدِقونه القول، وأولئك يهتمون بإضحاكه، ويقبضون الثمن بالقبض على ناصية الحكم. 
دولة قبب مساجدها من ذهب، وصحون المحظيين فيها من ذهب، وجيد وزنود نسائهم غارقة في الذهب، وخزينتها خاوية لأنها نَهْبٌ. لكل من نَهَبْ.
دولة تسلح عسكرها بالشحاذة، وتسيّر أمورها بما يجود به المحسنون من هبات، ولو كانت من مخازن المخلفات. 
دولة لا دخل لها إلا من أجساد النساء والإتاوة على الفقراء دون الأغنياء. 
دولة تستدين بالفائدة لتصرف من دون فائدة. 
دولة تتهدم مبانيها فتستأجر مقراتها من ناهبيها. 
دولة فاسدها غني وشهيدها غبي وشعبها سبي وفاجرها عصي. 
دولة تدعي الفضيلة فتكشف السيقان وتستر الوجه بالخمار. 
جِمالُها صبورة تقبل أن تنبح حولها الكلاب وأن يقود القافلة الحمار، ومع ذلك تدخل الحرب إلى  جانب الألمان، وتهدد الأوروبيين والأميركان، وتنعت الأعداء بالطغيان، وتدعي أنها ستقلب الميزان، وتدخل القدس على أتان كما في غابر الأزمان. 
وهكذا انهارت سلطنة بني عثمان. 
لكي تكون عبرة، فهل لهذه العبرة عندنا من مكان.